نديم الوزه - قصة

 

" أعتقد أنني أحب الحكومة" لنصري حجاج:

وقائع على شكل هلوسة يمكن حكايتها

بقلم نديم الوزه

أعتقد أنني أحب الحكومة لنصري حجاجلا أود، و أنا في غمرة متعتي بمخيلة نصري حجاج ، التحدث عما يريد قوله مباشرة ، و إن كان هذا القول ، و على هذا النحو المتحرر بل الحر تماماً ، سوف يمنح قصصه هذه المقدرة على التدفق الجمالي بما يشكل ما يشبه الأنهار و البحيرات الهائجة والمضطربة وسط صحارى و غابات من الألفة المتوحشة إذا ما صح جمع المتناقضات تخيل ليس بالمتشائل و إن كان أعمق مفارقة و خصاماً منه . و لاهو يقترب من حكي الواقع الإخباري و إن كان أكثر مصداقية منه أيضاً. بل أستطيع القول: إنني لأول مرة، ربما ، أقرأ لأديب فلسطيني بهذه التلقائية خارج الحدود أو الأطر المعدة سلفاً لتلقي رسالة هي متداولة و قد ينظر إليها بأكثر من جانب . لكن نصري يرمي بمجموع رسائله في الهواء بل هو منذ البداية لا يعترف بها ، إنه يهديها هكذا لشخص آخر اسمه أيضاً نصري حجاج ربما كي يكف هذا الشخص الذي عاش ما عاشه كفلسطيني عادي عن النخر في نفسية نصري حجاج الفنان المعروف أو المتعارف كمثقف و كاتب كتب هذه القصص ليتخلص ربما من شبيهه حتى يستطيع أن يعيش على نحو يومي و طبيعي .

هذا البعد الإنساني الذي تقوم عليه كتابة نصري هو ما أصّل عمله طالما أن الفلسطيني ليس أيقونة أو صورة محددة الملامح (...) و بكل تأكيد لم يكن هذا الشرخ في الصورة من نتاج مخيلة نصري ، ولكن ماذا يفعل إذا ما كان ركام من الصور الواقعية سوف يفضي إلى هذا الشرخ التدفق العشوائي و الخلط بين عناصر من الحياة لا تقوم به فتشياً (واقعياً)،سوى الصواريخ و القنابل و الجرافات من جهة و السلطات الفاسدة من جهة أخرى .

و من أجل التعبير عن ذلك، أو بالأحرى من أجل صياغة كل ذلك بشكل مقنع أو لأقل بشكل يمكن تقبله فيعكف عن فعل المداهمة الذي تحدثه الكوابيس عادة، ارتأى نصري حجاج أن يكتب، وربما من حسن حظه أنه خبير بمونتاج الصور، فكما علمت هو يشتغل في السينما ،وهذا الاشتغال ساعده تلقائياً على إنتاج كل هذه الشذرات المتدفقة وفق إيقاع قد يبدو سينمائياً في بعض القصص و لا سيما في قصة مثل "طابة حمراء" إلا أنه في مجموعة القصص سوف يأخذ منحى أدبياً خالصاً. و ربما لا أريد أن أتورط بتوصيف شعري لهذا المنحى طالما أن الشعر لا يكون بغير القصائد لولا أن رؤية شعرية لا يمكن تجاهلها بصرامة هي ما منحت لغة نصري مسوغها الإبداعي ، رؤية قد تذكر بما كتبه ساد ، رامبو ، لوتريامون.. لولا أن نصري يبحث في وجع أفظع و ليس بحاجة إلى كل هذه الطاقة الشديدة للتخيل.

فظاعة تخيل نصري أنه واقع فعلاً و حقيقة، و يمكن معاينته بشكل أو بآخر. صحيح أن القول بإمكانية تورط ما يكتبه نصري في مشهدية فنتازية هي أقرب إلى أفلام الكرتون _ وربما عجزه عن توفير إمكانية شغلها سينمائياً هو ما دفعه للكتابة ، لكن هذا الاحتمال ، أو الظن الآثم، قد يؤخذ باعتبار أكثر إيجابية كأن أقول : إن توافر حوافز متنوعة للكتابة قد أغنى لغة القص عنده طالما أنها استطاعت ، وفي أحيان كثيرة ، أن تدخل ضمن نسيج اللغة الأدبية ، و لاتكتفي بأن تكون وساطة لغوية لما ينبغي تصويره كما يلاحظ بين قصة وأخرى . بل إن قصة مثل " الرسالة المستنسخة " تؤكد و بما يدعو للاطمئنان أن نصري حجاج قادر على الذهاب بعيداً في استكشاف مناطق واسعة و متعددة لكيفية كتابة حكاية و بطرق متعددة . فالأمر إذن ليس مقتصراً على فورة افترضها تراكم القراءة أو نزوة عابرة و متأخرة ، على اعتبار أن مجموعته القصصية هذه " أعتقد أنني أحب الحكومة " هي كتابه الأدبي الأول ، ونصري حجاج على عتبة عقده السادس عمرياً . بهذا الصدد هل يمكن الحديث عن نابغة ؟ ربما نعم ، و ربما لا، فأعماله القادمة ، إن كان ثمة ، هي ما سوف تحسم . ولكن يمكن الآن الحديث عن ريادة واضحة في القص الفلسطيني على الأقل في هذا الاستيهام الغرئبي لما هو أليف و واقعي و يرتكس في المخيلة على شكل هلوسة يمكن حكايتها كحلم أو كابوس غير متقصدي الرموز أو الدلالات إلا في قصص قليلة مثل " برتقالة جائعة ، حساء لأطفالنا ، أعتقد أنني أحب الحكومة " ، لكن حتى الوقائع في هذه القصص ، مثلها مثل جميع الوقائع في القصص الأخرى ، تبحث عن دلالات أكثر حراكاً و فاعلية في ذهن المتلقي لمحاكمة ما تمّ ترميزه و استدلاله . إنها استجابة واعية تماماً لما يتحول و لا يركن إلى شكلانية مستعارة فقدت لحظتها التاريخية لتستجدي شكلانية أكثر راهنية ، بمعنى آخر قد يبدو نصري حجاج وريثاً لكل هذا الركام من الانزياحات الفنية المؤرخ لها جمالياً في القرنين الماضيين كتجليات للحداثة و أوهامها ، وهو كذلك فعلاً . لكن من كان يتوقع أن تتحول كل هذه الانزيلحات ، و لا سيما البربرية و البشعة منها، إلى واقع يعيشه الفلسطيني يوماً بيوم ؟ ألا يبدو هذا الواقع بدوره وريثاً هو الآخر لكل عذابات و آلام المقهورين و المحتلين منذ أقدم العصور و حتى الآن ؟.. للإجابة على ذلك يمكن قراءة نصري حجاج من جديد، أقصد نصري حجاج الذي أُهديت له هذه القصص، و ليس نصري حجاج الذي كتبها.

الصفحة الرئيسيةشعرروايةقصةمسرحفن تشكيليلمراسلتنا