نديم الوزه - شعر

 

حكاية صوفي

روايـة ثانيـة

شعر نديم الوزه

1

أتشرَّدُ في شوارعَ أعرفُها

خجلاً من ثيابيَ المهترئة،

يسوطُني البردُ بجدِّيةٍ موتورة،

وَالجوعُ يلدغُني كعقاربَ حامضة،

وَلا مكانَ لي حتى في حديقةٍ عموميَّة..

أنفاسي لا تدفئُني،

وَلا أمْلكُ سيجارةً وَلا عودَ ثقاب،

لكنَّني لا أريدُ أن أموتَ

لا مِنْ أجْلِ غريزةِ البقاء،

وَلا لأنَّني أنتظر..

في رأسي كلماتٌ تظلُّ توقظني،

وَتجعلني أنتفضُ،

كلَّما حاولْتُ إغماضةً أبديَّة!

 

2

مِنْ حياتي القصيرةَ،

وَالتي لم أعشْها،

لم أحتفظْ إلاَّ بما كتبْتُه،

وَببعضِ أوراقٍ مهترئة،/

وَقلماً التقطتُهُ من رصيفٍ ما

مع ما التقطتُهُ من بقايا طعام..

لكنَّ هذا كافٍ لكي أقول:

" إنَّ الألمَ ليسَ في الموت

وَإنَّما في المحبَّة "..

لذلكَ لا تذكريني

كما أذكرُكِ في هذا البؤس،

وَ أتعذَّبُ

لأنَّني لا أستطيعُ انتحاراً..

 

3

في غيبوبتي رأيتُكِ..

كنتِ على شرفةِ أحلامي

مشرقةً كالعادة،

لكنَّكِ لم تكوني عاريةً،

ولم يكنْ ثوبُكِ ثوبَ عرسٍ

لكنَّهُ يشبهُه..

وَ هذا تفسيرُهُ أنَّ أحداً سوف يموت،

أحداً يشبهُ شيئاً ما،

لا أتذكَّرُه،

كالفكرةِ التي توقظُني،

وتدفعُني كشهابٍ في سماءِ المعنى،

ولا أستطيعُ إيقافها..

 

4

لا أحدٌ يكلِّمُني،

وَلا أكلِّمُ أحداً،

لا ذاكَ الذي أهديتُهُ،

وَلا ذاكَ الذي أحييتُه،

لقد سرقوا كلماتيَ العاريةَ،

وَارتدوها ثياباً جديدة..

وَأنا لا تناسبُني كلماتٌهم القديمةُ،

وَلا ثيابُهم التي رموْها!

 

5

عثرتُ اليومَ على أسلاكِ نحاسٍ كبيرة،

وَاشتريتُ ما يسترُ خجلي،

لكنَّني نمتُ جائعاً،

وَحينَ أفقتُ كتبتُ كلماتٍ مضيئةً

كمصابيحَ متناثرةٍ في صحراءِ المعسكر..

كنتُ آكلُ هناكَ بشراهةٍ، وَألبسُ، وَأتدفَّأُ،

لكنَّني كنتُ دائمَ الألم

ليسَ لأنَّ النظامَ،

أو لأنَّني لا أريدُ أن أقتلَ،

وَليسَ لأنَّكِ بعيدة،

بل لأنَّني كنتُ أفكِّرُ في كلماتٍ غيرِ محدَّدة

كما لو كنتُ وحيداً..

 

6

ما جدوى الأفكار؟

وَالحقائقُ قاسيةٌ كهذا الحرمانِ والتشرُّد..

عليَّ أن أنامَ طويلاً، طويلاً جداً

وَلا أستيقظُ أبداً..

أينَ أصدقائي الثلاثةُ؟

هل ماتوا جميعاً...؟

ألا تذكرين؟

لقد كنَّا أربعةَ موهوبين،

وَالكلبُ خامسُنا،

وَأعطيناكِ رقمَ 6

لأنَّهُ يدلُّ على معنًى أصليٍّ

وَإن في لغةٍ أُخرى..

لقد وجدْنا أنَّ الحياةَ مسرحيَّةٌ

يقودُها مَنْ يملكُ شيئاً،

وَكنَّا أتقياءَ،

نحاولُ أن نقولَ أفكاراً لا تُقدَّرُ بثمن،

أَيْ لا ثمنَ لها..

لذلك لم يصغِ أحدُ إلينا،

فقرَّرْنا أن نمثِّلَ على بعضِنا:

رقمُ واحدٍ أنا،

رقمُ اثنينِ المحبَة،

رقمُ ثلاثةٍ الفنّ،

رقمُ أربعةٍ العقل،

رقمُ خمسةٍ الكلب،

رقمُ ستَّةٍ أنْتِ

وَجعلناكِ مرآةً لنا جميعاً،

وَأعطيناكِ حرّيةَ أَنْ تذهبي إلى الماخور،

ربَّما كي تأتيَنا بما نأكلُهُ، وَنشربُهُ،

لكنَّكِ ككلِّ المرايا

لم تستطيعي الصمودَ أبعدَ،

لقد تهشَّمْتِ عندَ أوَّلِ سقطة،

وَماتَ مَنْ ماتَ عليكِ كمَداً،

وَلم يبقَ غيرُ هذا الكلب

كلَّما رآني دلَّني على حيرتِه!

 

7

صرتُ أقولُ كلماتٍ أليفةً،

وَلا أعرفُ معانيَها..

فقد فقدتُ يقيني

مع أنَّني وجدتُ لاسمي مكاناً،

لكنَّهُ يشبهُ نبيلاً فقيراً

في حضرة أميرٍ متغطرس

لقد تركتُهُ يأخذُ كرسيّ،

وَهيبةَ حضوري،

لعلَّهُ يبقي لي شيئاًُ،

شيئاً كافياً ما دامَ منِّي،

لكي أؤسِّسَ مجداً ..

 

فأنا لا أريدُ قوةً،

وَلا سلطة،ً

ولا انتصاراً..

أريدُ أن آخذَ من حياتي

فقَطْ ما ينبغي كي أعيشَ حياتي..

لذلكَ لم يكنْ صعباً أن أنتشلَ نفسيَ

مِنْ بقايا الحكاية،

مِنْ مراياها،

وَأرقامها،

وشخوصها..

لولا أنَّ هناكَ ضوءاً آخَرَ

كان ينبغي أن يُوقَظَ في آخِرِ شارعٍ،

شارعٍ لم تعمِّرْهُ الحكايةُ..

لقَدْ كانَ بحاجةٍ إلى كثيرٍ من الأموالِ

وَإن كانَ لا يُؤسَّسُ بها،

شارعٍ من حجارةِ أوغاريتَ، بابلَ، أثينا،

أو باريسَ التي عمَّرَها بودليرُ كتحيَّةٍ للأشياءِ المهجورة،

للمجهولِ الذي يبكي دفْءَ أمومتِهِ

وَلا يستطيعُ احتضانُها..

 

أعرفُ أنّي ذهبتُ بعيدا،ً

لكنَّها شاكلتي في الوجودِ أن أطيرَ،

وَلا سيَّما حينَ أحلمُ..

إنَّها مسافتي حتى وَأنا داخلَ الصفِّ،

أقصدُ يقظتي التي يُقالُ:

" إنَّها مجنونة "!

 

11/12/1999

الصفحة الرئيسيةشعرروايةقصةمسرحفن تشكيليلمراسلتنا