نديم الوزه - شعر

 

المدينة غريبة كأمي

مقهى آخر

شعر نديم الوزه

 

منظر الكراسي والطاولات،

والمقهي فسيح، نظيف، خالٍ

حتّى من الأصدقاء..

فرصة قد لا تتكرّر

لكي أجلس على الكرسيّ منفرداً،

متفرّداً،

تنظر إليّ حسناوات المدينة،

وأنا عبر زجاجٍ قاتمٍ كنظّارة مستعرضٍ فنّي

أنظر إلى صورتي كأيقونة أسطوريّة

معكوسةً في الشارع فوق السيارات قليلاً..

خمس

بل عشر دقائق مرّتْ كذا

كذا..

لكي أنظر إلى النوافذ كعيون فارغة،

إلى الجدران كأجساد يابسة،

إلى الأرصفة كخطوات مشرّدة،

إلى الحواجز كشهوات منكسرة،

لكي أنظر

وأنظر

حتى أنعس من ثبات المشهد وخلوّه..

وكيلا أبقى شارداً هكذا

أو كما ينبغي لشاعرٍ بأحواله أن يشرد بالظلال الشاردة،

أبدأ بشرب قهوتي،

وأكفّ عن التفكير بي..

أفكّر بأصدقائي الذين ماتوا كسالى

أو من كثرة ما حالوا قتل أصدقائي،

أفكّر بقصائدي المنسوخة بأيدي المرتشين

أو بالأيدي المتّسخة بما لا يغسل،

أفكّر بالمجد البالي للصوص البلاغة

أو لشحاذين أتقياء كمصلّين أمام الآلهة،

أفكّر بما لا أفكّر به،

تاركاً اللحظات تمرّ كباص محتجز

يلوّح لي مسافروه إلى جنّة قصائدي

ولا أحد يخلي مكاناً لي..

وربّما لأنّه ليس لديّ ما أفعله

غير أن أتململ في مكاني

ضجراً من يقظة مضجرة

بسرعةٍ أتحقّق من الأبواب والجدران

من لا حسناوات يعبرن

ولا أصدقاء..

فقط لم أزل جالساً كمقامر بحظوظه

أنتظر ابتسامةً غنيّة كغيمة نقود

قلقاً أن يبدّدها صحو اليمين

أو أرق اليسار

كلاهما بفكاهاتهما الدامية

واختلاسهما أحلامي

جعلاني بلا امرأةٍ واحدة،

بلا شقة واحدة،

بلا سيارةٍ واحدة،

لا ألهو بالمعذّبين

ولا أمازح السائق

ولا أصاحب غير زوجتي

آه حتى الغيوم تخدعني دائماً

كي يضاء الشارع ماحياً صورتي بواقعيته المقيتة،

آه حتى الجرائد لا تنشر صورتي

كي لا يصير اسمي علامة مسجّلة،

آه لا أريد اسمي ككيماويٍ لدلالات العناصر

ولا كعازف أسطوانات مدبلجة،

آه بعد آه تفرقع كأغنية معطوبة

ربما تُطرب همجاً بأموالٍ تركب حتى الحضارة،

ولا أركب غير حذائي،

وتفُّ..

قصيدة قفراء كحرمان أجرد،

وقت مبدَّد كمن يداري غيابه بانتظار حكم العدالة،

سجن بلا حرّاس ولا جدران،

شعراء بإداريين ومشجعين

وبمن دخل على الخط من رواةٍ وممثلين

(كلّهم نجوم) – تقول الصحافة –

منطفئين يطفئون كل بريقٍ آتٍ،

ولا خوف عليّ..

فأنا قادرٌ،

قادر خارج كلّ هذا،

قادرٌ على الخروج بلا أوهامي،

قادرٌ على ألاّ أنسى صورتي للشارع وغيومه،

قادرٌ على أن أشعل سيجارتي،

موقناً أنّه لا بدّ من مقهىً آخر،

من شارع آخر،

من سماء أخرى،

سوف أمحضها ثقتي،

لأمشي وأحلامي كأنني لم أفقدها بعد!

 

1999
الصفحة الرئيسيةشعرروايةقصةمسرحفن تشكيليلمراسلتنا