جمجمة تغلي
خرائب
شعر نديم الوزه
صباح بلا راية.
صباح بلا وظيفة.
هكذا...
أفتح نافذة هذا الصباح
كغيره..
أهندس قدر ما أستطيع خرائبي
أنظر .. متعباً أنظر..،
و لا أحوز هندسةً ملائمة ..
هكذا..
أجلس مع قهوتي الساخنة،
أدخّن كوابيس ليلتي الكريهة..
هكذا..
هكذا..
آه، من بطالة الشاعر المرهقة،
من جهده غير المرئي ّ أبداً،
غير المقدر أبداً ..
آه، من حركاته
حين أطيح بالمشهد وشخوصه..
أصرخ،
ولا تهتز جهاته..
أحتجّ
ولا تتراجع طرائفه..
أتّهم،
و لا تنهار صروحه..
أقلّب أياّمه،
كخريف لا يرحم
يساقط شبابي كله!..
آه، غير مُدرك
دفنت فتوتي في حفرة وهمه،
بكيتها حتى اخضرَّ سمّه،
شربت من غدره،
غسلت وقتي بدناءته..
وهاهو دمعي يجفّ،
وهاهو دمي يحتقن،
والبحر ليس هنا،
أبداً لم يكن البحر هنا ،
رغم إبحار طفولتي بكذبتي المشرقة،
أبداً لم أعش مراهقتي حرّة..
تبعت الشمس- دماء َ عشاق خاسرين،
خدعتني أقمارها البلهاء – تمارس من غير حب،
جربت نجومها – آثار سياط على جسد الليل العبد،
وكلّ هذا خلّفته،
وهيهات أن يلحق بي ..
قلمي لم يحرث جيّداً،
كما ينبغي..
غيوم حبري لم ترعد وتبرق،
كما أشتهي..
أمطار رؤاي لم تهطل،
كما أرغب..
لم تزل بياضاً مبهماً من أحبهّا،
والكلمات المحمومة لم تزل محمومة
رغم شيخوختي ..
حقاً،
أي ُّ إثم كان ينبغي كيلا يقتحم مشهد تخيلي ؟
مزهواً بمصوريه، وممثليه ، وكتاب سيرتي.
مقرقعاً بأصواته.
مهرّجاً بألوانه.
مخادعاً إشارات قصيدتي كلها..
آه، لم يُخف رأسه،
و أهداني أصدافه الفارغة
خشْ شْ شْ
ويبدأ إرساله..
أمجّد النساء لآلىء َ حقيقيّة.
أمجّد أجسادهن الضاحكة.
والشاشات غير صادقة فيما أقول ،
والشاشات تريني حياة لا أعيشها
حتّى في تخّيلي ،
والشاشات لا تفهمني أبداً.
وحدها الروح
تعرف أن تضيء مجالها:
أفقٌ منكسرٌ على جسدٍ من رماد
ينثر أزهارَ اللهاثِ من شفاهٍ مسالمة..
لا أحبُّ إلا من يحبّني،
وأحبُّ كلَّ مَنْ يحبُّني،
ولا أكرهُ مُطلقا .. ً
ليُقبِلْ بغواية حبّي،
ليحرّك المياهَ الراكدة،
ليدعُ الأشجارَ كي تصفو،
ليعرِّف الأشجارَ خديعةَ حدائقه،
وليفتحْ عينيها على أدغالِ جسمها،
وبعيداً.. بعيداً.. خارج الوصف
ربّما يتخيَّلُ ما ينبغي أن يتخيله...
آه ، لو أغيِّرُ كلَّ شبه،
لو أقنع النّحلَ بهجر الملكة الآن،
وباختلاف التناسل،
و..
لولا هذا الدبّ ُ الصقيعيّ ،
وعلى الرغم من وجودِهِ القويّ،
ليأخذْ قطيع َهُ عنيّ
ليرحلْ بضجيجِهِ
وبأجراسٍ نظامه المعاكس لكلِّ ما هو مقبل،
ليأخذ المشهدَ كلّه،
وليتركْني عنه!...
ربَّما أتحرَّكُ مفسحاً مداي الأوليّ...
ربّما أعتبر ظواهرَ جوهرٍ لا ينتهي...
ربّما أفترض ما سوف يأتي-يخفق بجناحيه مارداً-
يستردّ من تهاويله ما أسر َ ته شباكُه
من براري حرّيتي...
كيف يصنع مركب نجاة من حطام تجاربي؟
كيف ينخدع مقتفياً أثري بصورته المجمَّلة ؟
وأشهد خساراته
و أسفاه.. الطوفان أتى – شراً لشرّ-
ولم ينجُ..
و أسفاه .. أنقاض تجديفه وقوتّه العصبيّة
هاهي،
ولا أكنّي أبداً..
كأنّما عوّضه عن اكتساحه
أن يمحو أخيلتي بوهم:
رأسي على طبق،
وهو يدقّ طبل حضوره الأجوف،
وعشتار ترقص عارية، كما هي ، دائماً..
يا لرقصتها العارية لولا هذا الدم!.
بقهقهة خافتة..،
غير معتدّ بنجاتي المؤقتة..
كنت وسط المشهد ذاته..
تفاصيله هشاشة تفاصيلي المنقرضة..
لولا انتظاره لأطباق الآخرين الكاذبة
ما يبديه لنفسه هو ما أبديه لنفسي..،
أجل،
خساراته.. خساراته .. هي، أيضاً ،خسار ا تي
وكان ينبغي ألا تنمو
وأشجار تموّه الأعداء..
يا للمصادفة البائسة – جوارنا المخادع،
يا للسيرورة الظالمة – وثاقنا العبثي،
يا لحضوره ورعاياه الفظين – ضرورة قاسية:
كل شيء،
ولا يمسّوا حريتي حتى لاحتراس مخادع.
كل شيء،
ولا تكرّر دهشتي انحداره إلى شوارع تلصصه – مكائد كان الحب طعمها المفضل..
كل شيء،
ولا أنذهل مجدداً بشجاعة تهوُّري أم بغيبوبة طيبتي
حين لا مست كل فظيعة أرادها لبساطتي..؟
حين حاورت كلّ كذبة حبكها لحقيقتي..؟
حين دنوت من كل شهوة ملغومة لقلّة خبرتي..؟
ونجوت. .
نجوت مع من نجوا...!
دائماً أمجّد الفعل الممجّد.
أعطي للكلام حقّ الكلام.
أعرف اللغة روح الجسد.
وأرجئ الإيضاح..
وأرجئ وقت َ نزفت ُ وقتي متفجّعاً:
أيّنا الضائع- أنا أم الوطن؟
وأقول: وقته غامض ، وبصير برؤيتي منهوبة..
ولا أقول غير هذا
وهذا ليس عنه
إنه تأويل ما يحاك ضدّي..
ولا أدري كيف؟..
ولا لماذا؟..
هل أفضح روائح َ صبوتي..؟
عبق َ طفولتي المتخيل..؟
سكرة َ امرأة الحلم فيما أنتشي..؟
آه ، كم خفقتُ شهوتي فيما أضمُّ الفراغ،
مبعداً جسدي..
آه، كم خفقتُ شموسِ بيضٍ فاسدٍ – لم ينكسر كدوائره
فلا يخَفْ..!
أشجار .. أشجارٌ حقيقيةٌ احترقت كلُّها واقفة،
شممتُ دخانَ حرقتي – حرماني المدبّر..،
تعرفتُ كيف أنتصبُ مع نزاهتي ، وأيَّ دم أقذف ..،
ولا بأس،
كلُّ هذا لا يضعف القلبَ يا امرأةً تتشبَّهُ بعصفورٍ
يمدّ رأسَه خارج القفص،
ويصفر..
وهذا غير حقيقي أيضاً!.
وحدي لا أحاكي أحداً...
غيرَ هذا الشاعر الذي ينق ّ مؤرقاً حقيقةَ كوني نافراً،
وأحتاج إلى من يهدهد جموحي..
كنّ جامحاتٍ، رغم ذكورة المال واغتصابه الراقي،
وكان الشاعر يغويهن بالحنين إلى براري صيفه..
وكنت وحدي، أوسّع مدى خطوتي.. عبثاً..
أتحاشى ضربة النقيض.. أقنعه بجدوى خطوتي..
أقول له ، وأقول ... حتّى أغلق الباب
بسلاسل أفراحه..
بأوجاعي أتعرّى من أسمال سلاسلي،
أقرب نفسي، وأحضن نفسي،
وأقول لها: اهدئي، يا نفس ، اهدئي..
وكانت النفس تهدأ،
تهدأ كانت النفس مثل طفل غافٍ بين أحضان دموعه..
هذه النفس وحدها
وحدها هذه النفس عزفت أنشودة الرايات،
عزفت أناشيد قماش يعلو!
وليس الفعل جديراً بالقول دائماً
وليس الجسد يهتدي بالروح دائماً
وأخلي قولي للشهداء حريّاتهم
ولم يكن وصفي يكفي..
وكان عليه أن يأخذ بهذا إلى منتهى براءته..،
ومثل هذا كان جسدي
كان يأنف الانجرار خارج حرياته..
أذكر صيف اشتهى الأرض تطلق أنوثتها المشاعة
لركضه ، ملاعب العشب، وما تغنيه الحناجر – قروي ّ ة هذه الأكاذيب وفقيرة..
أذكر شتاء اتّبعته إلى أقصى حرمانه، كيف سخ ّ رني ساخراً ، وضارباً كرامتي بشهوته.. وجلدتُه بيديَّ هاتين جلدتُه.. وأفهمتهُ حرَّ المكان وبردِه..
وهذا ما شاركني فعلَه ومرآتُهُ،
ومث ّ لتُه..
وهذا ما استحوز َ من تصد ّ عاته آهات نفسي..
وبهذا أردتُ أن أمتطي جسدي..
وهذا أجدى له
و هو يدري لماذا..!
أجل ،
لا ذنب لدى الشاعر العارف لا يمكن اغتفاره..
غير أنه قصدني، وإن من غير قصد..
أوصلني حدود ذاتي القصيّة حيث لا يمكن التلاقي
كلانا مشيح بوجهه:
هو اتّبع رعاياه كي يمجدّوه،
وأنا بقيتُ فرداً
خافقاً بحريتي..
هكذا..
مثل آثم منشرَّد يشتهي راحة البال
نمتُ وجسدي..
هكذا
رأيته يتحسّسُ دفءَ التراب
ذاتَ شمسٍ ربيعيّة..
هكذا..
أفقتُ مزهراً بجسدي..
هكذا..
أفتح نافذة هذا الصبّاح
كغيره...