سليم دولة و مخاطر ما قبل الكتابة
بقلم نديم الوزه
تجاه اعتداء لغوي من قبل الثقافات المهيمنة ، كثيراً ما يندفع المرء للتشرذم أو التمسك بما لا ينبغي أو بما هو غير قادر على المواجهة أصلاً،الشيء الذي يشكل مضيعة للجهد و الغاية المرجوة كما حصل في معظم ما أنتجه الإحيائيون التقليديون منهم أو حتى الحداثيون ، إلا أن ذلك لم يمنع الرغبة الملحة بتأكيد الذات ، وربما معرفتها،من حثّ الشعراء على اللجوء إلى ماضيهم ، إلى ماضيهم ، إلى ذاكرتهم اللغوية على وجه التحديد، ليتمكن الواحد منهم أن يقول : أنا أبدأ من هنا.. و يمكن القول بسرعة إن هذه البداية غالباً ما تستجيب لنوازع الحاضر و استهوائها لما هو معاد طالما أنه متفوق و يملك كل هذه المقدرة على الإغواء بل و التحريض على التحرر و التماس الجديد و محاكته أيضاً . و ربما لهذا كله وجد كثير من شعراء العربية في النتاج الأدبي الصوفي ما يستطيع أن يرهّن الذاكرة و بسرعة كذلك ، لا لسبب ديني و إنما لأسباب دنيوية محضة ، أبرزها أسبقية أدباء الصوفية في ابتداع أساليب و طرق جديدة للقول و الكلام تتقاطع بشكل أو بآخر مع أساليب الحداثة و رؤاها ..و ربما من مزايا قراءة الشاعر التونسي سليم دولة للصوفية أنه تتبع تحولاتها الأساسية في الكتابة ، و التي تعود في معظمها إلى النفري و البسطامي و غيرهما من كتاب الشعرية النثرية ، مما وفر له فسحة كبيرة للحراك الإبداعي يتجاوب و الحاجة الشكلية لقصيدة النثر العربية :
أناديني كأني أغيب عني
و أبكي بعضي
و بعضي حبيبي يعزّيني
هذه العزلة التي يعاني منها الإنسان الحديث في اغترابه جتى عن ذاته ، تشكل انعطافاً أساسياً في الرؤية الصوفية المؤمنة بمآلها ، و مع ذلك يمكن أن يلحظ المرء استنهاضاً لما هو متحرك حتى في اليقين الصوفي و ليكن في المعنى أو الدلالة طالما يعني الحلول و التفاني و لكن غير المتحققين لدى سليم دولة في مجموع علاقاته الإنسانية على ما يبدو :
أيّها
المحتفلون
بسفك دمي
توغّلوافي الاحتفال
فأنا الباقي
و أنتم
إلى
زوال!
قد تبدو العودة إلى هذا الانتصار للذات تناقضاً للحال الأول ولكنه تناقص من طبيعة التجربة الوجودية ذاتها إذ ليس ما يأمله الشاعر من معاناته أو من محاولة حلوله في الآخر سوى الخيبة و الألم، و هذا ما يجعله فب مدّ و جزر بين الحياة و الموت و تجلياتهما المعيشية ، و إن كان في محاولاته هذه جميعاًيعمل على اختصار مراحل عديدة من البرزخ الصوفي ، و هذا ما يفسر غياب الصور و الأخيلة الإنشائية أو الرمزية أو تقشفها على الأقل في شعره كما هو الحال لدى شاعر صوفي قديم هو الحلاج و لكن مع فارق جوهري هو أن الحلاج أنتج لغة منجزة تبعاً لرؤيته المكتملة عن الاتحاد و تبعاًلرؤيته البنيوية أكثر حراكاً و قابلية للتحول و الانطلاق و لا سيما أنه لا يتوافق و الصوفية بأساليبها المستحدثة و حسب، و إنما ساقته الؤية المتبناة من قبله بتلقائية و عفوية تتجاوب تماماً و المكابرة التي يعيشها عاسق مؤرق ، إلى مواجهة كل هذا القهر:
مَنْ إذا جَرَحَ المحبوب
سالتْ دماهُ
قبله!
ذلك
هُوَ
هُوَ
العاشقُ
يا تونس!
بمعنى آخر أن عدم مقدرة سليم على الاتحاد بمن يحب ، و ما يعانيه من شوق ضنى من جراء هذا الفشل هو ما يجعله محاولة للفعل ، لا يعني في المحصلة سوى أساليب جديدة للكتابة . لكن ما هو لافت في كتابة سليم دولة، و يعتبر من إضافاته، أنه يحاول ، و على الرغم من كثرة اقتباساته و استسلامه للحال الجمعي و ثرثرته ، أن يعيد القول إلى أوله ، و هو بذلك ربما ينصت إلى محاولات سابقة و لكنه، على أية حال ، انصات المجرب الذي يختبر ما قيل و ما ينبغي قوله:
قلتِ لي..قلْ
قلْ قلتِ لي
قد يكون ابتعاد مثل هذا الشعر عن البلاغة بسبب من الحال الموجع الذي الذي يعيشه الشاعر محفزاً لرغبة أخرى بالتأمل تارة و الغناء تارة أخرى ، و لكنه غناء صامت بل ويستدعي خوفاًً من القول و تداعياته ، و ربما هذا ما يجعل سليم دولة يستعيد مثل هذه الطريقة في الكلام التي تنسجم مع مواقفه و أحواله:
كَمْ
و
كَمْ
كَمْ لَمْ
كَمْ لَمْ تكنْ
كَمْ لَمْ تكُنْ تعلم
كَمْ لَمْ تكنْ تعلمُ أنّ
كَمْ لَمْ تكنْ تعلمُ أنَّ التي
كَمْ لَمْ تكنْ تعلمُ أنَّ التي ولدتْني
كَمْ لَمْ تكنْ تعلمٌ أنَّ التي ولدتْني قدْ
قتلتْني..
فالتلكؤ في القول إنما هو الفزع من نهايته ، و ربما لهذا يرضى الشاعر بالقليل من الكلام في حضرة الحب ، بل و بالقليل من الحب ذاته:
قلتِ لي:
قِ نفسكَ
جنَّ و جنّ
و ما تبقى من حثالة الروح منك
هبْهُ لي !!
فهو لي !!
من يعطِ القليل يرضَ به ، و الأمر بالتأكيد ليس بخلاًَ بقدر ما هو انشغال بمت هو محاولة لجمع ما هو مفرد..و غلى هذا قد تكون كتابة سليم دولة في بداية ما يمكن قوله أو حتى في مخاطرة الكتابة و هي لذلك كتلبة رائدة و هي بذلك تحتمل كل أخطار الريادة و لا سيما خطر الإبداع الذي لا يستجدي القديم إلا ليحاول وصله لهوس في الذاكرة بما كان و لهوس بما ينبغي في المستقبل أن يتذكره !..
الفنان الإيطالي فاستو ميلوتي
نديم الوزه
كان القول يعنمد على الحدس إذن ! هذا ما أفكر به الآن و أنا أستذكر " ألوان فان كوخ و أشكال بيكاسو و ملصقات سلفادور دالي " توصيفات تضمنتها مجموعتي الشعرية " خارج الجحيم " و أعيد اعتبارها بمناسبة زيارتي لمعرض الفنان الإيطالي فاوستو ميلوتي( 1901-1986)المقام في مكتبة الأسد بين 12-25 آذار 2001 .
مررت بالأعمال كعابر يحاول استحواذ أكبر قدر ممكن من المشاهد قبل أن يفوته الوقت إذ كلن علي أن أصعد إلى قاعة القراءة لأن علي ماأعمله و خاصة أن الفنون الحسية تثير شهيتي
كان من حسن حظي أن تلقيت الكتاب الذي يتضمن الأعمال المعروضة " منحوتات ذهبية و نحاسية ، سيرميك و جبس ، روسومات و تقنيات على الورق " و إلا كنت سأنسى ، تاركاً الفرجة تذهب بعيداً إلى أغوار نفسي ، و لا أضطر إلى كتابة ما أكتبه مفوتاً علي متعة أن أنقل ما يجول في دواخلي إلى حيز حسي تبصره عيناي على الأقل .
و أنا أقلب الكتاب استوقفتني دراسة ألفها أ. م . هماخر اعتبر فيها أن عمل ميلوتي مضاد للطبيعة ،عبارة حادة و طريفة تختزل مفهوم الحداثة الغربية برمتها . كلمة مضاد بالذات هي ما أثارتني وجعلتني أفكر كم هو التركيز على المعارك يريح هؤلاء الذين يعيشون علىمقربة منا . طبعاً أنا لدي رأي مناقض فعلى الرغم مما تثيره هذه الأعمال من سخرية أحياناً إلا أن مبدعها هو فنامن وشاعر و ليس جندياً في جيش موسوليني . و لفي الحقيقة ثمة فكرة أجدى أو أكثر جدية تتعلق بالسيطرة على الطبيعة _ كنت أفكر أنه كان من الأفضل لو نستطيع مشاركة الطبيبعة حيناً وتحييدها حيناً بدل إخضاعها كلياً و هذا ما لم و ربما لن نوفق به . نحن نمتلك امتداداً طبيعياً أيضاً، بل ثمة طبيعة إنسانية ،جوانية، هي ما تجعلنا نبدع و لغاية غالباً قد تكون لكي نغني هذا الخواء امتلاء أو هذاالامتلاء الأصم فسحة ( هنا أشكر الأستاذ أنطون مقدسي على تذكيري بهذه الكلمة الدالة فعلاً ) بهذا المعنى أستطرف أعمالاً تجريدية مثل هذه التي يبدعها هذا الرسام الإيطالي، إن تركيزه على المعمار كما يبين هماخر ليس شيئاً آخر سوى محاولة لجعل الطبيعة إنسانية أكثر ، أليفة، و بمتناول العقل إذا أمكن .
يركز البير فيز على كلمة " موضوعات " هي عنوان لدراسته التي تضمنها الكتاب أيضاً، الموضاعات تعني فيما تعنيه هذه الكتل و الخطوط التي تحاول الاندفاع و لكن دائما إلى نقطة تهاية . و هذا بحد ذاته شيء لافت بل هو غالباً ما يجعل لأعماله خصوصية ربما تكون جارحة لدى البعض ممن يصدمهم هذا الإيقاع النافر و المباشر .
فيز يذكر كذلك كلمة " الشكل " باعتبارها شغل ميلوتي الذي كان قد أوضح بدوره أن عمله هو تنسيق أو هندسة للأشكال ، أشكال تكعيبية و تجريدية و ما إلى ذلك من مصطلحات لا أستسيغها و أود لو أنني لا أفهمها ، لماذا ؟ لكي أفكر على هواي ، و لكن على أن أكون مفهوماً بكل تأكيد
كنت قد ألمحت إلى أن الحداثة تقوم على التحرر من جبرية الطبيعة ، ميلوتي كان يعي ذلك على الأرجح طالما هو يتمثل إحدى مقولات الحداثة الأكثر شهرة أقصد حين اعتباره للعقل بدلاً من حسية الطبيعة و دوافعها و غرائزها ، كان يعيه بتفكيره و لكنه في إبداعه كان يعي شيئاً مضافاً هو أعماله الفنية ذاتها . هذا الشيء المضاف أو الفائض عن الطبيعة الحسية هو كينونته الإنسانية باعتباره فناناً قد لا يستجيب للعالم أو يعيد تمثله بقدر ما يحاول أن يعيد صياغته جوهرياً إذا ما استعملت التعبير الأكثر تواضعاً. إعادة الصياغة هذه تعني نقضاً للمحاكاة أو كما يحلو لي أن أعبر تكسيراً للمرايا . لكن هذا قد لا يحدث دائماً، غير أنه من الواضح أن ميلوتي قد قدم مثالاً جريئاً لكيفية ذلك.
الفكرة هي أن الحداثة التي جاء بها ميلوتي أو بيكاسو أو أمثالهما لم تعد تعتبر الفن حالة إشباع لما لم يتم إشباعه و إنما هي فعل يشارك في الإثارة و التحريض من أجل الاندفاع .نحن بحاجة دائماً إلى مزيد من الأشكال الجديدة و هذه الأشكال قد لا تتوافر على السطح بهذه السهولة فما يمتلىء العالم الخارجي به هو وفرة من المتشابهات و لم تفعل الهندسة المعمارية أو هندسة المدن شيئاً مختلفاً عن الطبيعة ، حتى في المدن الأكثر رقياً نحن بحاجة دائمة لمن يكنس اتلشوارع و الساحات .
هذا الازدحام الذي يضج بالجدران و الرؤوس المتطلامة و الأضواء الملونة ربما هو ما جعل ميلوتي منكفئاً، صار الجسد لوناً و الشكل خطاً و الحركة حداً، شيء أكثر تطرفاً من أشكال بيكاسو و منظوراته ، فهنا الحاجة ملحة إلى فراغ أو بتعبير أدق إلى فسحة تذكرنا بمساحات غير مكتملة وينبغي _ بعد أن عرفنا مساحات الطبيعة و امتلاءات المدن _ أن نفعل شيئاً، هل هو خرم الإبرة الذي قصده النفري منذ أكثر من ألف سنة ؟ ولكن ليس بنفس الدلالة ، فنفاد الصبر هو ما يسم العصر الحديث و لهذا علينا أن نبتكر أشكالاً قد لا تكون مثل هذه التي ابتكرها ميلوتي و لكن تحتمل ذات النزوع و إن إلى ما هو غير مرئي و ربما غير متحقق!..
" أعتقد أنني أحب الحكومة" لنصري حجاج:
وقائع على شكل هلوسة يمكن حكايتها
نديم الوزه
لا أود، و أنا في غمرة متعتي بمخيلة نصري حجاج ، التحدث عما يريد قوله مباشرة ، و إن كان هذا القول ، و على هذا النحو المتحرر بل الحر تماماً ، سوف يمنح قصصه هذه المقدرة على التدفق الجمالي بما يشكل ما يشبه الأنهار و البحيرات الهائجة والمضطربة وسط صحارى و غابات من الألفة المتوحشة إذا ما صح جمع المتناقضات تخيل ليس بالمتشائل و إن كان أعمق مفارقة و خصاماً منه . و لاهو يقترب من حكي الواقع الإخباري و إن كان أكثر مصداقية منه أيضاً. بل أستطيع القول: إنني لأول مرة، ربما ، أقرأ لأديب فلسطيني بهذه التلقائية خارج الحدود أو الأطر المعدة سلفاً لتلقي رسالة هي متداولة و قد ينظر إليها بأكثر من جانب . لكن نصري يرمي بمجموع رسائله في الهواء بل هو منذ البداية لا يعترف بها ، إنه يهديها هكذا لشخص آخر اسمه أيضاً نصري حجاج ربما كي يكف هذا الشخص الذي عاش ما عاشه كفلسطيني عادي عن النخر في نفسية نصري حجاج الفنان المعروف أو المتعارف كمثقف و كاتب كتب هذه القصص ليتخلص ربما من شبيهه حتى يستطيع أن يعيش على نحو يومي و طبيعي .
هذا البعد الإنساني الذي تقوم عليه كتابة نصري هو ما أصّل عمله طالما أن الفلسطيني ليس أيقونة أو صورة محددة الملامح (...) و بكل تأكيد لم يكن هذا الشرخ في الصورة من نتاج مخيلة نصري ، ولكن ماذا يفعل إذا ما كان ركام من الصور الواقعية سوف يفضي إلى هذا الشرخ التدفق العشوائي و الخلط بين عناصر من الحياة لا تقوم به فتشياً (واقعياً)،سوى الصواريخ و القنابل و الجرافات من جهة و السلطات الفاسدة من جهة أخرى .
و من أجل التعبير عن ذلك، أو بالأحرى من أجل صياغة كل ذلك بشكل مقنع أو لأقل بشكل يمكن تقبله فيعكف عن فعل المداهمة الذي تحدثه الكوابيس عادة، ارتأى نصري حجاج أن يكتب، وربما من حسن حظه أنه خبير بمونتاج الصور، فكما علمت هو يشتغل في السينما ،وهذا الاشتغال ساعده تلقائياً على إنتاج كل هذه الشذرات المتدفقة وفق إيقاع قد يبدو سينمائياً في بعض القصص و لا سيما في قصة مثل "طابة حمراء" إلا أنه في مجموعة القصص سوف يأخذ منحى أدبياً خالصاً. و ربما لا أريد أن أتورط بتوصيف شعري لهذا المنحى طالما أن الشعر لا يكون بغير القصائد لولا أن رؤية شعرية لا يمكن تجاهلها بصرامة هي ما منحت لغة نصري مسوغها الإبداعي ، رؤية قد تذكر بما كتبه ساد ، رامبو ، لوتريامون.. لولا أن نصري يبحث في وجع أفظع و ليس بحاجة إلى كل هذه الطاقة الشديدة للتخيل.
فظاعة تخيل نصري أنه واقع فعلاً و حقيقة، و يمكن معاينته بشكل أو بآخر. صحيح أن القول بإمكانية تورط ما يكتبه نصري في مشهدية فنتازية هي أقرب إلى أفلام الكرتون _ وربما عجزه عن توفير إمكانية شغلها سينمائياً هو ما دفعه للكتابة ، لكن هذا الاحتمال ، أو الظن الآثم، قد يؤخذ باعتبار أكثر إيجابية كأن أقول : إن توافر حوافز متنوعة للكتابة قد أغنى لغة القص عنده طالما أنها استطاعت ، وفي أحيان كثيرة ، أن تدخل ضمن نسيج اللغة الأدبية ، و لاتكتفي بأن تكون وساطة لغوية لما ينبغي تصويره كما يلاحظ بين قصة وأخرى . بل إن قصة مثل " الرسالة المستنسخة " تؤكد و بما يدعو للاطمئنان أن نصري حجاج قادر على الذهاب بعيداً في استكشاف مناطق واسعة و متعددة لكيفية كتابة حكاية و بطرق متعددة . فالأمر إذن ليس مقتصراً على فورة افترضها تراكم القراءة أو نزوة عابرة و متأخرة ، على اعتبار أن مجموعته القصصية هذه " أعتقد أنني أحب الحكومة " هي كتابه الأدبي الأول ، ونصري حجاج على عتبة عقده السادس عمرياً . بهذا الصدد هل يمكن الحديث عن نابغة ؟ ربما نعم ، و ربما لا، فأعماله القادمة ، إن كان ثمة ، هي ما سوف تحسم . ولكن يمكن الآن الحديث عن ريادة واضحة في القص الفلسطيني على الأقل في هذا الاستيهام الغرئبي لما هو أليف و واقعي و يرتكس في المخيلة على شكل هلوسة يمكن حكايتها كحلم أو كابوس غير متقصدي الرموز أو الدلالات إلا في قصص قليلة مثل " برتقالة جائعة ، حساء لأطفالنا ، أعتقد أنني أحب الحكومة " ، لكن حتى الوقائع في هذه القصص ، مثلها مثل جميع الوقائع في القصص الأخرى ، تبحث عن دلالات أكثر حراكاً و فاعلية في ذهن المتلقي لمحاكمة ما تمّ ترميزه و استدلاله . إنها استجابة واعية تماماً لما يتحول و لا يركن إلى شكلانية مستعارة فقدت لحظتها التاريخية لتستجدي شكلانية أكثر راهنية ، بمعنى آخر قد يبدو نصري حجاج وريثاً لكل هذا الركام من الانزياحات الفنية المؤرخ لها جمالياً في القرنين الماضيين كتجليات للحداثة و أوهامها ، وهو كذلك فعلاً . لكن من كان يتوقع أن تتحول كل هذه الانزيلحات ، و لا سيما البربرية و البشعة منها، إلى واقع يعيشه الفلسطيني يوماً بيوم ؟ ألا يبدو هذا الواقع بدوره وريثاً هو الآخر لكل عذابات و آلام المقهورين و المحتلين منذ أقدم العصور و حتى الآن ؟.. للإجابة على ذلك يمكن قراءة نصري حجاج من جديد، أقصد نصري حجاج الذي أُهديت له هذه القصص، و ليس نصري حجاج الذي كتبها.