نديم الوزه - شعر

 

" فرح معلق في أخر سطر.. " لمصطفى الكيلاني

متعة التغني بالخيبات و الهزائم في انتظار ما لن يأتي

بقلم نديم الوزه

حين يكون :

الاسم

لا يدلُّ عليك

والجسد

خارطةٌ جديدةٌ للاستهلاك

والروح

عربةٌ قديمةٌ معطَّلة

والرغبة

سرطانُ آخرِ الحروب

والدهشة

طوفان آخر الحروف....

سوف يرتد الكاتب أو الأديب التونسي مصطفى الكيلاني إلى ذاته كي ينتظر , كغيره من أدباء هذا العصر , ما هو غير منتظر طالما أنه لم يأتِ .. لكن , وربما كي لا يضجر في انتظاره كثيراً , يحاول أن يتسلى , كأكاديمي وناقد , "بعادة سرية " هي ما يستطيع أن يعيد من خلالها الاعتبار لشيء من الألفة و الحميمية لكي تعبق بروحه و جسده بعد الذي حل بهما من استهلاك و عطالة .

وهو إذا ما كان بذلك يخدع ذاته , ويوهمها , بشيء مما سمع به , أو قرأ عنه في الأيام الخوالي , كفتاة الياسمين , أو الحسناء البدوية , أو حتى "أشرطة الفلفل المشمس وضفائر الثوم المعلقة في شرفات الأزقة العتيقة" إلا أنه لا يلبس أن يوقظ هذه الذات ليخبرها أن كل ذلك هو "حبيس غبطة لن تكون". أو كأنه يبدو رهيناً لإحساس بالفقد واللاجدوى , وليس لديه ما يسليه سوى أشياء متواضعة , ولكنها تتوافق و اهتماماته المعنوية , كأن يقرأ , و يكتب , ويصير مقروءًا بدوره . لكن حين تبدو الحياة بلا معنى , و يبدو السؤال الوجودي حول الاختيار بين الموت و الانتحار , لأن "لاعب كرة قدم متقاعد أضحى اليوم زعيماً" أو لأن "هذا الذي يسمى الإنسان لم يعد ثديياً تماماً كما كان", فمن المرجح أن تكون الأبواب مغلقة على أشيائها التافهة , أو مفتوحة على موات ماثل للعيان بما تمثله صوره المتضمنة لانتهاكات لا تحدث إلا في الحروب و الكوارث و مجازرهما .

لكن أن يجرؤ مصطفى الكيلاني على تصعيد أزماته على هذا النحو قد لا يعني أنه متورط تماماً في سيرة إبداعية محورها الكتابة الأدبية , وما يعنيه ذلك من اندفاعات الذات إلى مجاهيل لا تستطيع عقلنته البارعة للمهمات أن تستكشفها , ليس لأنه يعترف بأن "كتابة الشعر و الأدب عامة تتماهى و دموع النساء العاجزات عن منع الأذى" وما ينبغي هو "مقارعة القوة بالقوة", وإنما لأن ما دفعه لاعتبار فعل الكتابة مجدداً , بعد انشغاله عنه بالسياسة و تمظهراتها , هو مجموع الهزائم و الخيبات التي نالها من جراء المظاهرات و الخطابات و المناشير .. الخ . فيتحول هذا الفعل , فعل الكتابة , إلى نوع من التعويض أو المماثلة للعودة و الالتجاء إلى أحضان الأنوثة .. و بالفعل ألمحت إلى هذا المنحى السريري لفعل الكتابة لديه منذ البداية. وعلى أية حال إن تعرية الذات , ولو كان ذلك استمنائياً , يبقى أكثر جرأة و جدوى من الزهد و التقشف إذا لم أقل الخصاء :

تلك يدك بأصابعها الخمسة

تستدعي حواسك الخمس :

الوسطى عين رائية ,

البنصر أذنان في واحد ,

السبابة أنف متيقِّظ يتشمَّم ظلَّه ,

الإبهام لسان في حال رضاع ,

الخنصر حلمة ,

والماء يسري إلى المرفقين ...

بل ربما ما أراده مصطفى الكيلاني من اعترافاته السابقة أيضاً , يستدعي لفت الانتباه إلى إحدى مهمات الكتابة البديهية و أقصد بها المتعوية , وهي , بالتفسير أو الفهم الفرويدي , قد تتيح للعذابات و الآلام بالحضور , كحالة مازوشية قد يروق للمهزوم و الخائف التغني بها . لولا أن عنوان كتابه الذي أقرؤه الآن , والصادر عن دار الميزان بتونس هذا العام 2006., يتحدث عن شيء آخر , و لكن لا يخرج عن مفهوم الكتابة و متعتها , بل هو عالق بآليتها و أدواتها طالما أنها لعبته المدمن عليها , و طالما أن ما يجنيه منها هو هذا العنوان "فرح معلق في آخر سطر..." غير أن فرح اللاعب بالكلمات غير فرح اللاعب بالكرة , و الفارق ليس بالتأويل , وإنما بوجود المعنى أو انتقائه ..بهذا المعنى يمكن الحديث عن اعتبارية للكتابة لدى مصطفى الكيلاني و عبرتها في مقاومة كل من يحاول إلغاء الانسان وكينونته الحية في محاولة إثبات وجوده ككائن متمايز بحواسه و عواطفه و عقله , وإنما من أجل ذلك يحاول أن يجد سنداً أو نصيراً من ذاته أولاً ومن الآخرين بالتالي , وقد لا تكون كتابته الاستذكارية لأصدقلئه المبدعين إلا لحظات استقواء هي الأكثر رشاقة و فرحاً وإن كانت لا تخلو بدورها من ألم الموت و رقصاته كاستذكاره للكاتب العراقي ماجد السامرائي :

دجلة ينزف

والكتاب الذي بين يديك

اهترأ غلافه ...

تكاد الحروف تتلاشى

إلا أنت...

تغالب العاصفة

ولا تنحني

الصفحة الرئيسيةشعرروايةقصةمسرحفن تشكيليلمراسلتنا