شعرية ممدوح عدوان: بحث عن صيغة رائدة لحوار الواقع ومعرفته
بقلم نديم الوزه
فيما يأتي لا انوي تعريف الصيغة في شعر ممدوح عدوان بوصفها شكلا او أسلوبا او طريقة، بقدر ما أحاول التمهيد ببعض المنطلقات للتعرف، ولو بشيء من الحيطة، علي الوعي الجمالي عنده، وربما التماسا لهذه الحيطة، إضافة الي الإقرار بأن تشكل هذا الوعي يكاد يبدو واضحا وقد استكمل نواقصه الإبداعية منذ البداية، أجد ان الحاجة غير ملحة للاتكاء علي أراء الشاعر النظرية، في الشعر، او في غيره، طالما ان قصائده الأولي ذاتها كفيلة بالدلالة علي موهبته التي لا تمتلك أدواتها الفنية المتقنة وحسب، وإنما تتعداها، متضمنة إياها، الي رؤية تفهم معني الحداثة، وتعرف كيفية السبيل إليها.
وأنا إذ اختار قصائد مثل: الممسحة من الظل الأخضر المجموعة الأولى، و لعبة الإشارات الضوئية، غويفارا، الضجة من تلويحة الأيدي المتعبة المجموعة الثانية، لا اختارها لأنها متقنة فنيا أكثر من غيرها، بل ربما كانت هذه القصائد اقل أهمية عند المتلقي بمختلف أنواعه: مستمع، قارئ، ناقد، ولا جدوى من التمييز ما دام الجميع مدفوعا بموروثاته الذوقية تراثية كانت هذه المورثات او غربية. ولا يهم ان ألمح بذلك الي ما يشبه القطيعة ما دامت هذه القطيعة تتعلق بهذا الذوق، لا برؤية الشاعر. ولا يهم أيضا ان أهمش بعض التجربة لصالح بعضها الآخر، ما دمت ابحث عن التمايز والاختلاف والفرادة، بل ان هذا البحث هو ما يجعلني اعمل، وان مبكرا، علي إزالة بعض التراكمات التي ما زالت، او هذا ما يراد لها ان تكون ملتبسة:
1 ـ من ناحية الشكل: لا أجد شغفا إيقاعيا بالمعني التقليدي. فتجاوز الوزن والقافية او عدم تجاوزهما ـ والشاعر ممدوح ينحاز لحضورهما ـ لا يشكل عائقا أمام بناء حديث للقصيدة والشيء ذاته فيما يتعلق بالخيال فأن يقل الخيال الإنشائي هنا لا يشير الي عدم احتفاء مثل هذه القصائد بالصورة الحديثة.
2 ـ من ناحية المضمون: لا موضوع تقليديا في العناوين السابقة، والخيبة والنكبة والحرمان وهجاء الذات وما يشبهها من أحزان وما يتبعها من أشجان، كلها مواضيع لا تمايز بحد ذاتها بين شاعر وآخر. وان تنأي هذه القصائد عن الترميزية التموزية بكافة تجلياتها التي كانت سائدة آنذاك، حتى تلك الموجودة في شعر عدوان نفسه، يشير الي ان هذا الشاعر قادر علي الإبداع، من غير ان يتكئ علي أية مرجعية فكرية (أيديولوجية) محددة سلفا.
وكيلا يكون هذا التقسيم الي شكل ومضمون متناقضا مع ما بدأت به للوهلة، أبدي ضرورته النقدية في قراءة إيضاحية للبداية، لكي أسارع الي تجاوزه، مؤكدا علي ما ألمحت اليه من ان الرؤية الحديثة لا تحاكي او تحاور او تعيد إنتاج القصيدة التراثية او القصيدة الغربية علي انها النموذج الأمثل، وإنما هي تنظر الي الشعر او بالأحرى الي زمن الشعر علي انه الحاضر، والحاضر فيما يعبر عن نفسه، يعبر أيضا عن عملية حراك بين عوائق الماضي وإمكانيات المستقبل. والشاعر الحقيقي هو من يعي هذا الحراك، وهو من يعي أكثر موقعه فيه. فلا هو نبي ولا هو مخلص. انه واحد من الناس ميزته انه يستطيع ان يكشف عن معاناته ورغباته وفق رؤية واعية لأكثر مناطق النفس العربية حرجا.
لكن وان كانت رؤية الشاعر تنطلق من هذا الحراك الا ان من غير الضروري ان تصفه طرفا مباشرا فيه. وربما كان هذا التدخل المباشر ـ حيث لا مسوغ له ـ سببا أساسيا في التشتت والاستطراد والتكرار الممل في معظم مطولاته الشعرية. بل ان هذا التشتت والتكرار لا تخلو منه حتى تلك القصائد التي يتحدث فيها عن تجربة مباشرة مثلا لو اقتنعت قصيدته اوستراد من مجموعته لا بد من التفاصيل بالحلم الذي أثاره هذا الاوستراد كانجاز حضاري، وبالواقع الرديء الذي كان يستغل فيه، بعيدا عن الاستطراد في مواضيع وأماكن اخري، لجاءت انجازا آخر، يضاف الي العناوين السابقة، إضافة الي مصطفي بدوي من مجموعته الظل الأخضر و بردي من مجموعته اقبل الزمن المستحيل و صوت يبلله الحزن من مجموعته أمي تطارد قاتلها وغيرها.
من الواضح أنني أشير الي عناوين محددة دون سواها. والقارئ الجيد للكلام السابق قد يظن أنني ابحث عن الوحدة الفنية التي حققتها مثل هذه العناوين، الا ان الوحدة التي ابحث في الأساس عنها، هي وحدة أعمق، ولكن من غير ان يعني هذا ان تلك الوحدة الفنية ليست من ابرز التجليات الشكلية لهذا البحث، ان عبارات مثل الزمن الحاضر و التجربة المباشرة و الصراع بين الحلم والواقع كلها تدل، مثلها مثل التفاصيل والأشخاص والأشياء والأمكنة علي ان ممدوح عدوان شاعر تجربة معاشة، وان كان هذا التوصيف لا يمنح قيمة معيارية، علي الأقل في حدود ما أريد الوصول اليه، ولا سيما ان ثمة شعراء كثيرين كانوا سباقين الي هذه الصفة: عبد الوهاب البياتي، محمد الماغوط ـ كنموذجي حداثة ـ لكن ان يستنسخ الاول من المدرسة التصويرية مشاهد عربية. وان يستلهم الثاني ما يمكن من رامبو وبودلير، يشير الي الريادة الفعلية لتجربة عدوان، التي لا شك انها استفادت من المناخ الذي هيأه هؤلاء السباقون، لكنها، في المقابل، استطاعت، وفي كثير من الأحيان ان تبقي بمعزل عن تقلبات النموذج واجتراره.
وربما بهذا المعني جاءت قصائد مثل أمام الشيراتون، الميريديان وغيرهما من مجموعته والليل الذي يسكنني ، لكي تبرهن علي ان التفاعل بين التجربة المعاشة والتجربة الفنية ضمن وحدة تمتحن الموروث الشعري ومقدرته علي إبراز إمكاناته الكامنة للتعبير عن تغيرات الحاضر وحاجاته الدائمة لصيغ جديدة، هو المسار الصحيح الذي يمكن من تلمس الخطوات الأصيلة والمتفتحة لمسيرة الحداثة الطويلة..!
وما دام الحديث عن الموروث كما هو حال الحديث عن المثاقفة ليس الا خطوة أولى تبتغي اللقاء والفراق فان الخطوة الثانية كانت علي الأغلب خطوة ذاتية، خاصة بتجربة بعينها. وما دمت اقرأ أشعار ممدوح عدوان الآن، فهي خاصة بممدوح عدوان نفسه، برؤيته الواقعية، لا بالمذهب والنظرية أيا كان مصدرها، بل ولا حتى بالواقع الذي ينطلق منه او يعبر عنه فقط.
ومن هنا كان التهميش لامتداداته المشتركة مع تجارب اخري رغم وفرتها الكمية ضروريا، لكي ابحث عن قصائد قد تبدو متفرقة، متباعدة في ظهوراتها الزمنية، لكنها وحدها من شكل في النهاية مسارا حقيقيا لرؤيته الجمالية المبدعة، تدل عليها أعماله المتتالية وعليك تتكئ الحياة و طيران نحو الجنون و كتابة الموت .