نديم الوزه - رواية

 

رواية " التوق " لأميمة الخش:

الحب باعتباره خلاصاً و طهارة

بقلم نديم الوزه

في البحث عن الشريك المناسب ، العاشق الأبدي ، أو الزوج المنتظر، تقدم الروائية السورية أميمة الخش في روايتها " التوق " حالة نموذجية لمن يمتلكن عقداً نفسية أوديبية تحديداً، و ممن هن من صاحبات الأحاسيس المرهفة ، و ذوات الاطلاع المعرفي ، إضافة إلى العلاقات المميزة مع الشرائح المثقفة وليس المتعلمة فقط .

صحيح أن القضية التي تعاني منها بطلة الرواية ، و اسمها ثرى ، هي قضية ذاتية ، ولكنها ذاتية بالمطلق . ولذلك يمكن تعميمها بالمطلق أيضاً ، على أن يكون لدينا رؤية مطلقة تحاكم مجموعة من المطلقات هي هنا القوانين الاجتماعية أو النفسية أو الأخلاقية التي قرئت في الكتب المختصة أو أجري الحوار حولها مع أحد الأصدقاء المطلعين على هذه الكتب .

هذه الإطلاقية في المعايير تتبدى في مثنوية الأفكار التي تقوم عليها الرواية بين الخير و الشر ، الحق و الظلم ، الانتهازية و الغيرية ، و ما إلى ذلك مما يجعل الصراع مفتوحاً و بلا نهاية مادامت الحلول المطروحة هنا لا تتجاوز الإزاحة و الاختبار .

بهذا المعنى يمكن إبراز محور التطهر كحامل أساسي للرواية ، ومما هو معروف أن هذا المحور يقوم على ثنائية مطلقة ، دينية أو علمية- نفسية ، و ما ينتج عنهما من أفكار ايديولوجية بالضرورة . إذ لا يمكن لهذا المحور أن يدور ما لم يرتكز أساساً على دافع أو محرك معاكس هو الإثم ، لذلك تبدأ الرواية به ، بارتكاب بطلة الرواية لجريمة قتل لا تلبث الراوئية أن تبرئها منها مباشرة ، ربما لأن أميمة الخش لا تريد أن تدخل معمعة المحاكمات ، وربما لأن الأدلة جميعاً تشير إلى أن ما حدث قد حدث عن طريق الخطأ غير المقصود ..أم الضحية تبرئ البطلة لأنها هي من طلبت الدواء لابنها – ثرى تعمل صيدلانية و قد قدمت دواء مهرباً تحت إلحاح أم المريض مما أدى إلى موته – و المحقق يبرئ البطلة لأنه يعرف عمها ، لكن المجرمة لا تبرئ نفسها و لذلك هي تحاول أن تدفع الثمن .

أول من يحاول أن يقبض كان الصحافي شاهر ، شقيق المحقق- هنا متوالية من العلاقات المتشابكة تبرزها الرواية بشكل لافت بدلالته – هذا الصحافي أحواله ميسورة ، لذلك سوف يكون الثمن هو جسد البطلة بالذات . . في البداية تحاول البطلة أن تقاوم . لكنها، وتحت وطأة الشعور بالذنب أو رغبة بتأجيج حالة المازوشية التي تشعر بها و التي كانت قد بدأت معها حين رضاها عما كان يكتبه شاهر عن جريمتها بشكل يسيء إليها ، ترضخ أو تستجيب لنوازعها النفسية ، لكن أثناء محاولة شاهر امتلاكها جنسياً و مقاومتها الطبيعية تبعاً لرغبتها باستدراجه لمضاجعتها رغماً عنها أو موحية بذلك لكي تحقق أكبر قدر من اللذة ينهار شاهر معترفاً بحبه غير المتوقع لها .

طبعاً هذا التخلي للايروس و في حالة ثرى النفسية لا يرضيها ، بل هي تستعيد عقلانيتها المفترضة و تهرب ..موقف تفتعله الروائية لتقول : إن الحب لا يمكن أن يقوم على الإثم . غير أن هذه الإرادة العقلانية قد لا تفضي إلى فعل عقلاني بالضرورة بقدر ما تحاول الروائية من خلالها التحكم بالشخصيات و دفعها إلى محرقة التطهر التي تمتلك الروائية قارب النجاة منها أيضاً .

هنا أود أن أتساءل ماذا لو لم يبد شاهر هذه الرخاوة أو لأقل هذا الضعف الشرير أمام قوة الخير الذي تمثله البطلة ؟ هل كان فض بكارتها سيشكل هوة سحيقة لاستعادتها لحالة البراءة مثلاً ؟ ثم أمام هذا الحب الذي يبديه شاهر للبطلة التي لا تخفي إعجابها بشكله على الأقل ، أ لم يكن من الممكن أن تنعطف الرواية منعطفاً آخر يكون الصراع فبه بين الاثنين من أجل الحب ذاته ؟ أم ان الارتياح للحلول الجاهزة هو ما منع الروائية من فعل ذلك مثلما جعلها سابقاً تعفي البطلة من المسؤولية العاطفية تجاه عاشقها الأول لارتكابه مجموعة من الأخطاء أو التقديرات السياسية التي أودت به إلى السجن ، لأتوهم مع البطلة أنها تحبه إلى حين ظهور شاهر و من ثم الرسام في حياتها ؟

قبل أن أصل إلى علاقة البطلة بالرسام لا بد من إيضاح ذكرته مقدماً و يتعلق بعقدة أوديب و ما يمكن أن تفضي إليه من تشابكات لا تقل تعقيداً لولا أن الروائية تبدي موهبة في التبسيط قد لا تناسب من لايرغب بالتعلم أو التعليم بقدر ما يثيره النقد أو الفهم و التفهم . المهم تبرز عقدة أوديب في هذه الرواية بشكل غير مقصود ، و لذلك هي مثيرة للقراءة على أكثر من وجه ، لكن قد أكتفي بما يفيد في سياق هذه القراءة غير مغيب ما لها من أبعاد اجتماعية تقصدتها الروائية تماماً و لا سيما في ثنائيتها التي تجعل من أبيها مثالاً للخير و من عمها مثالاً للشر ، شيء شبيه بحكاية هاملت لولا أن الإثم الذي يرتكبه عمها أكثر وضوحاً مما يجعلها تتجه إلى تجريمه مباشرة بعد أن تحكي لها أمها : حكاية قديمة و معروفة من كثرة تكرارها في الأعمال الروائية والمسرحية و التلفازية طالما هي حكاية رجل ، هو شفيق بيك ، الذي يحاول شراء الضيعة للتحكم بها ، شراء الأراضي أولاً ثم شراء البقية بعد ذلك . العم يقف إلى جانبه و يعمل وسيطاً له ، لكن الأب يرفض البيع و تحت الضغوط يهرب إلى المدينة . العقدة ، إذن، ليست موضوعاً جنسياً و إنما هي قائمة على التمثل و الإنابة ، فشاهر ينوب عن العم و الرسام ينوب عن الأب ، و كلاهما مثال وكلاهما يحتمل معايير اجتماعية للقبول و الرفض . ومن حسن حظ الروائية ربما أن هذه المعايير متوازنة و ما على البطلة سوى أن تختار .

ثيمة الإنابة بارزة في الرواية ، وربما إعجاب الروائية بشخصية شاهر اللعوب هو ما جعلها تقدم له ميساء أو جسدها باعتبارها صديقة ثرى الودود . أيضاً يمكن اعتبار ثرى ممثلة للأم و لكن كإنابة بعيدة لأحد ممتلكات الأب مثلاً، شيء لم تظهره الرواية و إن كان من الممكن أن يدخل في سياقها .

ثيمات عديدة تتكرر لتدل على عمومية المقولات و افتراضية التفاصيل و الجزئيات التي يمكن استبدالها في أي وقت ما دامت هي الأخرى تخضع لسلطة الروائية وأهوائها في تحريك الشخصيات و الأحداث ، لذلك قد لا يكون فعل الاختيار الذي تقوم به ثرى ذا دلالة في ذاته ، أقصد ذا دلالة تفيض عن ذاتيتها العلائقية ضمن مجموع مضطرب كالذي تفترضه الرواية، فالحدود مرسومة سلفاً و فعل الاختيارالذي يتم إنما يتم لأنه فعل الروائية وليس فعل البطلة بالضرورة . في هذا السياق لا أدري لماذا لم تظهر شخصية الرسام غيث إلا مؤخراً ؟ ولماذا هي سلبية إلى هذا الحد الذي تنتظر فيه الأشياء و لا تبادر إليها ؟ هي شخصية كان من الممكن اعتبارها لو أنها فعلاً تمثل تجانساً خنثوياً فاعلاُ في انزياحه أو شذوذه ، غير أن ما تقوم به ليس سوى متكأ أو لأقل ملاذاً من فعل الحياة ذاته ، إذ ما هذا الحظ النلدر الذي يجعل الرسام غيث يطلع على جرم ثرى ليستوحي منه لوحة – فيما تدين دلالاتها فعل الجرم تشير أيضاً إلى امكانية التطهر ؟ ثم إضافة إلى أن هذا الجرم ليس مثيراً فنياً بذاته ألا يمكن التساؤل : لماذا كانت ميساء مكافأة لشاهر لتخليه عن ثرى ، ليكون الرسام غيث مكافأة لثرى لأنها حاولت التكفير عن ذنبها من جهة و لأن الإنسان الصبور و المقاوم سوف ينال ما يريده من جهة أخرى ؟ حقاً ماذا لو قتل الصحافي شاهر غيثاً الرسام في نزاعهما على ثرى ؟ أ ليس هذا التساؤل يعزز فرضية أن شخصية الرسام ما هي إلا حضور هش يمكن إزاحته بسهولة؟

ما أود إيضاحه أن محورية الفعل في هذه الرواية تقوم بين فاعلين هما الصيدلية ثرى و الصحافي شاهر ، و إذا كانت شخصية الرسام تنوب عن الأب فإنها تنوب عن شخصية ميتة غير فاعلة ، وهذا ما أربك الرواية و جعلها تستسلم لرخاوة النهاية أو لحل العقدة ونيل كل ذي حق حقه .

إزاحة شاهر من دائرة الفعل قسراً عن الواقع بل واقع الرواية هو ما جعل البطلة شخصية استمنائية ، تضاجع مرآتها، استيهاماتها ، تخيلاتها التي تجسدت جميعاً في شخصية الرسام كحاجة جنسية عادية تكبت لتجد معادلها الفني حسب فرويد و إن بشكل مقلوب ، الشيء الذي يوهم بأفكار يونغية و إن كان يريد رؤيا صوفية لعلاقة الروح بالجسد ، وفي كلتا الإحالتين لا تخرج رواية " التوق " عن كونها املاء لفراغات رسمت حدودها الروائية بتقصد و صرامة جعلت منها عملاً سريرياً أكثر منه فعلاً إبداعياً قد يجهل مآل شخصياته في الرواية لأنه يعيها بكيانه على اعتبار أن العمل الإبداعي غالباً ما يفيض عن الواقع و ليس عن إرادة الكاتب فقط ، إلا إذا ما كانت أميمة الخش تريد أن تقدم حكاية دينية بلباس جديد ؟!

الصفحة الرئيسيةشعرروايةقصةمسرحفن تشكيليلمراسلتنا