الاتصال و الانفصال في الحبّ الروائي :
الحب هو اتصال دائم ، متى تمّ الانفصال حصل الموت !
بقلم نديم الوزه
" ما من وسيلة للتآلف الموت أفضل من ربطه بفكرة داعرة "
الكونت دو ساد
أنا من الناس الذين يستهويهم التفكير خارج السياق،إذ دائماً أقول لنفسي : لا ينبغي التفكير بما يفكر الآخرون به،وهذا يعني ، ولو ضمنياً ،أنه لا ينبغي أن أقود الآخرين لكي يفكروا بما أفكر به . و ربما يريحني أكثر أن أقول : إن الصمت أو بالأحرى السكون هو الجوهر الذي سأنتهي إليه حتماً ، فلماذا القيل و القال ؟
غير أنني أعود و أتساءل : لماذا أفكر بالنهاية ؟ ألست حياً ؟ .. و مادمت كذلك ألا يفترض أن أفكر بما هو عام و شامل ؟ بما يفكَّر به ؟و يعاد التفكير به ؟ لأن الفكر موجود على تكرار البداهة ، لا لقتلها ،و إنما للاحتفال بها ، و الاستمتاع بأن الحياة دائماً تسير هكذا .. دائماً ، دائماً ، ليس ما يتغير ، ليس ما يختلف إلا قشور لا تلبث أن تيبس ، مفسحة المجال لقشور جديدة .
أ ليس هذا ما يفكر الناس به ؟ و أ ليس هذا التفكير صحيحاً لأن الناس تفكر به على هذا النحو و ليس على نحو آخر ؟ .. إذن ، لأنه كذلك ، و لأنني أفكر كذلك ، كثيراً ما أتوقف مذهولاً أمام أفكار خارجة عن كل ذلك . أفكار لا تحيلني إلى كيفية أو سياق ، و إنما تبرز فجأة في ذهني ، أو من كتاب أقرؤه ، و تقول لي : ها أنذا لأول مرة أمامك ، عارية و متشهية ، وأنت حرّ في أن تدنو أو تنأى ، لكنك أبداً لا تستطيع محوي أو إلغائي لأنني موجودة ، و وجودي راسخ و حقيقي بك أو من دونك .
أعرف أن هذه الأفكار مثل النساء ، أو لأجمع مثلما يفعل الناس و أقول : إن ما أتحدث عنه هو بنات أفكار ، بنات ناضجات ، و أفكار رجال يفكرون بهن . و لكي لا يؤاخذني أحد و يظن أنني أتحدث عن بناته ، لا بد لي من أدخل هذه الأفكار وبناتها في سياق خارج عن خصوصيات الناس . بمعنى، إن ما أفكر به ليس إلا تفكيراً عاماً ، و بما أنه كذلك ، فهذا يعني أنه لايخص أحداً إلا إذا هو أراد . و أنا شخصياً لا مانع لدي من أن يتطلع الناس على ما أفكر به ، لأن ما أفكر به الآن هو أيضاً لا يخصني و إنما يخص حنا مينة و الطيب صالح و غيرهما و غيرهما ممن لم يعودوا خاصين ، كونهم صاروا شخصيات عامة فلا يمانعون مطلقاً من التفكير ببنات رواياتهم ماداموا قد قبضوا من الناشر ثمناً لها ، أي ثمناً للروايات . ثم أنا لا أريد هؤلاء البنات مجسدات حالياً لأنني أريد الانشغال بالتفكير بهن و بما يفكرن به ، ولا أظن أن الروائين يكتبون إلا لكي نفكر بما يكتبونه . و بما أنني صرحت منذ البداية أنني غاو للتفكير خارج السياق، فهذا يعني أنه ينبغي أن أخرج بنات هذه الروايات خارج سياقها الروائي حتى أفكر بهن ، و مادام كل إنسان يفكر على هواه ، اعتماداً على أفكار غيره أو على أفكاره الخاصة ، لا أجد حرجاً من الاعتراف بأن مجمل تفكيري في هذا المقال يعتمد على أفكار الآخرين . و بالتأكيد ، لايبدو من لهجتي على الأقل ، أنني سأقوم بنقل هذه الأفكار و شرحها تماماً بقدر ما سأفكر بها مانحاً إياها أبعاداً و مجالات أخرى ، ليس من الضروري أن أصحابها قد افترضوها دائماً . . فأنا مثلاً لا أذكر لماذا ربط ساد الموت بفكرة داعرة ؟ أ حقاً لكي يتآلف و إياه ؟ . لكنني أظن أن جورج باتاي الذي قرأت تفكيره بهذه المسألة ، جعلني أفكر بجدية أكثر بالإناث ، بالاتصال معهن و بالانفصال عنهن ، و بماذا يعني ذلك للناس ؟ و بكيف يفكرون به ؟
ساد فكر بالمسألة مثلما يفكر الناس ، و هو يعمم مثلهم أيضاً ، فمادام اتصاله بالمرأة هو حياة لها و للحياة فهذا يعني أن انفصاله عنها هو الموت لهما ،و العكس صحيح . و حتى لا تبقى هذه الفكرة مجردة أخذ يفحش في تخيلاته ، و يقوم بتعذيب إناثه ، بل ويمثل في قتلهن . مقابل ذلك هناك الحب الذي يتآلف و الحياة ، و ليس من المؤكد أن أربط فكرة الحب بالزواج ، قبله أم بعده ، فهذه الفكرة حتى الناس لا يربطها بعضهم هكذا ، غير أنهم متفقون جميعاً على أن الحب هو اتصال دائم بين الرجل و المرأة ، و متى تم الانفصال حصل الموت الذي ينظر إليه ساد نظرة أخلاقية فيربطه بالدعارة ، بينما الشرف ، وتبعاً لأخلاقية ساد و الناس عموماً ، هو اتصال وحياة دائمين.
طبعاً يمكن التفكير بهذه المسألة وجودياً ، و ربطها بالشعر كما فعل باتاي ، لكن هذا خارج سياق الناس . كما أنني أريد أن أفكر بأبسط ما يمكن لكي أقول : إن الداعر هو ذلك الذي يتنقل في علاقاته الجسدية بين امرأة و أخرى ، بينما الشريف هو الذي يكتفي بعلاقة جسدية واحدة مع امرأة واحدة . فالداعر يتآلف مع الموت لأنه دائم القتل لعلاقاته المتعددة ، بينما الشريف يتآلف و الحياة لأنه دائم الإحياء لعلاقته الوحيدة . هذا هو تفكير ساد الذي يعبّر تماماً عن تفكير الناس ، و إلا لماذا عممت تجربته الشخصية تحت مصطلح أو مفهوم أُشبع تداولاً في علم النفس و سمي بالسادية ؟
التفكير بمقولة ساد على هذا النحو لا يعني أنني أفكر من خلال علم النفس ، فهذا ليس من اختصاصي . كما أنني أفكر مثلما يفعل الناس غير المختصين ، و خروجي من سياق إلى سياق بين حين و آخر لا يعني دائماً أنني لا أفكر بما يفكرون به ، و إن كنت أتمنى غير ذلك بل إن هذه الأمنية سوف تتحقق مع ايريجكا و كرم اللذين ، لولا تفكيري مع باتاي في ساد ، ما كنت لأدري لماذا محضت علاقتهما كل ذلك الإعجاب و التقدير .
غير أن المسألة لا تتعلق بالإعجاب بقدر ما تتعلق بالفهم الذي هو غالباً ما يكون جواباً على تساؤل ما ، مثلاً :
هل كان مصطفى سعيد قاتلاً حقاً ؟
الطيب صالح في روايته " موسم الهجرة إلى الشمال " لا يستطيع أن يجيبني جواباً مقنعاً ، و ربما كانت مهمته ،كروائي ، هي في طرح الأسئلة أكثر من الإجابة عليها . لذلك ينبغي أن أشكر باتاي مرة ثانية لأنه أوضح لي إلى أي مدى كان مصطفى سعيد بريئاً ، على الرغم من العنجهية التي كان يتخفى وراءها ! . فهذا الرجل ببساطة لا يستطيع الحب أو أقنع نفسه بذلك ، و علاقته مع المرأة هي دائماً علاقة جسدية ، خالية من أي معنى ، حتى ذلك الذي يمكن إضفاؤه على العلاقات العابرة ، فالمرأة عادة لا ترضى أن تكون مجرد موضوع جنسي . و هذا يفسر تماماً لماذا كانت علاقاته تنتهي دائماً بانتحار النساء اللواتي يمارسن الجنس معه ، إنهن ببساطة أيضاً و أيضاً يجدن أنفسهن ، و رغم كل المغريات التي يقدمها لهن كتعاطف إنساني ، و كتعرف و استكشاف حضاري ، مجرد موضوع لإشباع شهوة. بمعنى آخر صرن ينظرن إلى أنفسهن في مرآة مصطفى سعيد داعرات ! ، و هذا ما لم يكنّ يتصورنه ما دمن قد أحببنه ، أو أعجبن به ، لا لشهوة و إنما لاعتبارات إنسانية محضة ، ما لبثن أن اكتشفن أخيراً أنها لم تكن سوى ثمن تقاضينه مقابل امتلاكهن ، و هذا كله توضحه الرواية تماماً .
غير أن السؤال الذي طرحته هذه الرواية و بقي من غير إجابة مباشرة ، هو علاقته بجين مورس .. ؟ فهذه المرأة ، شأنها شأن جميع النساء اللائي أقام مصطفى سعيد معهن علاقات جنسية ، لم تستطع أن تتقبل فكرة الانفصال عنه . أو ، إذا ما خرجت عن سياق باتاي نفسه ، لكي أدخل في سياق الناس الذي يقول : إن العلاقة بين الرجل والمرأة لا يمكن أن تتم لإشباع شهوة فقط و إنما ينبغي توفير الكثير من الاعتبارات الحضارية ، المتخلفة أم المتقدمة ، لكي يأخذ إشباع هذه الشهوة شكلاً إنسانياً ، أجد أن جين مورس لم تحاول أن تظهر لمصطفى سعيد كيف يكون ذلك ؟ إنها ارتبطت معه ، كما يفعل جميع الناس ، بعقد زواج ، ربما لكي تثأر منه ظاهرياً من خلال علاقاتها الجنسية المتعددة التي جاهدت في إشعاره بها ! و ربما فعلت ذلك و أذلته ، وربما أرادت أن تظهر له صورة دعارته في مرآتها ، غير أنها في الحقيقة كانت تحبه إلى حد أنها لم تمنحه جسدها خوفاً فقط من أن تكون علاقتها الجنسية معه بداية لتخليه عنها ، و هي بذلك إنما ربطت الحب بفكرة الموت ، مخالفة لمقولة ساد السابقة وغير مناقضة لها في آن. بل إن مصطفى سعيد هو من أوحى لها بهذه الفكرة غير أنه لم يستطع تنفيذها إلا مرغماً و تحت إلحاح شهوته العارمة التي ارتبطت هذه المرة بالحب . لا ، لاغرابة فقد وجد هذا المتغرب ، و ربما من غير أن يدري ، امرأة على شاكلته ، و تفكر بما يفكر به . و بما أن تفكيرهما يشبه تفكير الناس كان لا بد لهما من أن يربطا حبهما بالموت ، و ربما كان هذا الربط بين الحب و الموت هو ما يفسر لي ، بعد كل هذه السنوات ، لماذا كان مصطفى سعيد يتمنى أن يكون الموت هو حكم القضاة الانكليز أيضاً . و ربما يؤكد ذلك ما سوف يقدم عليه لاحقاً حين يقوم الراوي ببعث ذكراها لديه مجدداً ، فلا أدري أكان انتحاره تطهراً من هذه الذكرى أم هو اتصال أبدي بجين مورس الذي لم يزل صدى صوتها بالالتحاق به ماثلاً في خاطره ؟
إن منطقية التفكير الذي أفكر به يفترض الاحتمال الثاني ، غير التعميم مثلما افترض قضايا كثيرة في رواية الطيب صالح ربما يفترض أكثر من احتمال ، لذلك كان خروجي عن السياق واقياً من كثرة الاحتمالات و هذا ما لا آخذ به عادة ، فالتشابه ليس شائعاً بين الناس و حسب و إنما بين شخصيات الروايات كذلك .
إن بيروشكا في رواية حنا مينة " الربيع و الخريف " لا يمكن أن تثير إلا ذلك الشعور بالشفقة الذي تستدعيه بنات " موسم الهجرة إلى الشمال " ، إذ أن فكرتها عن الحب لم تزل تلك الفكرة العامة التي ترتبط بالمغريات و الحماية و إثبات الذات . إن الدعارة قد تكون ماثلة بقناعها الواقعي المتعارف عليه بين الناس ، لكن هذا القناع لا يلبث أن يسقط عند أول بادرة انفصال حاسمة ، إن الغش في علاقة كرم ببيروشكا يتخذ لباساً ناعماً فلا يذهب إلى درجة القتل .. فكرم يعرف من خلال صراحته و فهمه لتفكير بناته أن ينال منهن من غير أن يشعرهن بالصغار أو بالخداع ، لذلك لا تعود فكرة الدعارة في هذه الرواية إلا كصدى لما هو عام و شائع . فبيروشكا لا تستطيع أن تتقبل فكرة الانفصال التي طالما حاول كرم تعويدها عليها إلا بعد أن مرت بالعديد من التجارب المماثلة و مع أي رجل يتقدم للاتصال بها ، و هي ما أن ترى كرماً ثانية حتى تأخذ بالبكاء معترفة له بأنه قد حولها إلى عاهرة ، بل إن هذا الاعتراف هو وحده ما سيؤكد انفصالها عنه بلا رجعة .
إن كرماً يتوهم أيضاً أنه لا يحب ، و هو لكي يشبع شهواته دائم اليقظة و دائم التفكير بالأنثى كإنسانة أولاً و ليس كطريدة كما يفعل مصطفى سعيد . و هذا لايعني أن كرماً لا يحوك مكائده لايقاع بناته في شباك مطامعه الجنسية ، وربما لكيلا يبدو شاذاً بين الناس هو غالباً ما يتخذ لهذه الشباك أشكالاً حضارية متعارف عليها .
أجل ، إن كرماً و مصطفى سعيد وساد على نفس الشاكلة في التفكير ، إنهم يجدون أنفسهم خارج سياق الناس ، شاذين ، داعرين ، لأنهم يحترمون باطنياً ذلك الذي يفكر الناس به . وهذا يفسر لماذا هم دائمو الشكوى من هذا الخواء الذي لايجد عزاء له إلا حين ظهور ايرجكا في حياة كرم .
ايرجكا هي ،أيضاًً ، خارج السياق . لكنها ، على خلاف الناس والرجال المذكورين ، لا تربط الحب بالاتصال الأبدي ، و هي لاتفهم الانفصال على أنه موت أو دعارة . إن الدعارة ، من خلال علاقة كرم بايرجكا وعلى وجه التحديد من خلل في هذه العلاقة ، تأخذ تعريفها أ و مفهومها الحقيقي على أنها نخاسة للجسد و استعباد له . و ايرجكا أبعد النساء عن مثل ذلك لأنها لا تفكر مثل الناس و لاتدع الرجال يفكرون بها كما يفكر الناس . لكن كرم ، وعلى الرغم من انحيازه لايرجكا لا يعترف بحبه لها، إنه يؤول هذا الحب بمجوعة من الصفات الملتبسة لكي يبقى مفهوم الحب هو مفهوم الناس . ومع هذا هو لا يخفي إعجابه و احترامه لعلاقته بايرجكا ، فمثل هذه العلاقة المحترمة من قبل الرجل و المرأة هو ما يفكر به كرم و يريده ، فهي على الأقل تريحه و تعفيه من المسؤولية الأخلاقية التي أقلقت علاقته ببيروشكا. غير أن ايرجكا لا تفكر هكذا ، و إنما هي حقيقةً تخالف مقولة ساد وتنقضها وتلغيها لكي تثبت إلى أي مدى يمكن للحب أن يتحقق في الاتصال الآني و المتعدد . و إن كانت ايرجكا هذه لم تزل خارج السياق ظاهرياً حتى الآن إلا أنها بدأت تدخل إليه بأشكال مختلفة و متعددة ، لكنها ، والحق يقال، ليست في الواقع ذات طبيعة إنسانية دائماً .
-إحالات: إضافة إلى رواية حنا مينة " الربيع و الخريف " و رواية الطيب صالح " موسم الهجرة إلى الشمال" ، اعتمدت أيضاً في كتابة هذا المقال نص " الايروثية : اقرار الحياة حتى الموت " المأخوذ من كتاب L'Erotisme لجورج باتاي 1897-1962 وبترجمة من محمد علي اليوسفي ، و نص " أصول التعذيب في الأدب " المأخوذ من كتاب ( التعذيب عبر العصور ) لبرناردت . ج . هروود و بترجمة من ممدوح عدوان .