نديم الوزه - رواية

 

رواية حسن بن عثمان

تاريخ معطل لواقع يصوغ متاهته

بقلم نديم الوزه

قراءة أولى

بروموسبوربعد انهزام الحداثة أو انكفائها أخذت الرواية في مجمل نتاجها الكوني بعداً روايئاً، قد يكون حاملاً أو منتتجاً لدلالات ومعانٍ يخرج بها القارئ بعد وقت مسلٍ يكون قد قضاه بصحبة الكلمات وأوهامها، بما يداري المهمة الأساسية التي قامت الرواية فيها وبها، لترتد إلى أزمتها الوجودية بما هي كائن منتج لمرحلة تقوضت، وهاهي تجلياتها المتخلفة، أو المستسلمة لمصيرها المحتوم تبرز بين الحين والآخر على شكل إعاقات ارتكاسية تكبح أي محاولة للتحرر والانعتاق ولا سيما الاقتصادي منه.

بل يمكن قراءة هذا القول عبر سرد متواتر بما يمكن أن تعيشه الشرائح المهمشة في العالم بما فيها دول وأمم في ظل انتصار الامبريالية ومخططات شركاتها الساعية، دائبة، للسيطرة على ثروات الآخرين وقدراتهم. تساندها في ذلك ايديولوجية تروج لبراغماتية محضة، تسوغ كل شيء من أجل الحصول على المال ـ القادر الوحيد على تأمين عيش هني وسعيد برأيها، ولا يهم ألا يناسب هذا الوعي البراغماتي المكتفي ببعده الاستهلاكي فقط، دولاً ومجتمعات متخلفة وضعيفة، هي بحاجة للنهوض الملح بثقافات وأفكار تحض على الابداع والانتاج أكثر من استقبالها لمنتوجات جاهزة، فكرية أو مادية، وربما مستعملة كما هي الحال المزرية التي تحاول فضحها بدراية ماكرة رواية " برموسبور" للكاتب التونسي حسن بن عثمان.

تستدعي رواية "برموسبور " هذا الوعي الحاد للتناقض المرتكس في المجتمعات المتخلفة وما يعنيه ذلك من معاناة ربما تفترض في مرحلة من مراحلها صراعاً ضد أتباع الايديولوجية الكونية المنتصرة، ولكن وفق آلية موضوعية هي هذه التي تهيئها الظروف المحلية لمكان الحكي.. بمعنى آخر قد لا يلاحظ القارئ هذا الصراع بشكله الساخر إلا كوقائع رمزية لحياةٍ بسيطة، تعيشها شخصيات عادية: صحفي، صاحب مطبعة، شيخ جامع ويلئع ألبسة بالية أو مستعملة، ربة منزل، عاملة في مطبعة، طالبة جامعية، أرملة...الخ.

شخصيات محملة بأعباء لا دخل لها بها، وهي بالتالي لا تبدو سوى ضحايا لصراع غير محدد الملامح أو الجهات، فيسهل محو شخصياتها أو استبدالها بأخرى لتنقلب على ذواتها وأفكارها وأحلامها، حتى يبدأ الصراع هكذا كما لو يشاهد المرء تمثيلية أو فيلماً سينمائياً من منتصف القرن الماضي، ولا سيما حين يدور أساساً بين سيسي الكاتب الاستاذ الجامعي وطالبته صفوة السمدي. إذ قد لا يخفى على قارىء الرواية أن سيسي الكاتب كان يمثل السلطة الوطنية النزيهة التي ترفض أن تتسلق الفئات الغنية والطفيلية سلم النجاح عن طريق الرشوة والنفوذ، وهو بسبب من موقفه هذا سوف يتلقى هزيمة حاسمة سوف تغيّر مجرى حياته وأفكاره بطرده من السلك التدريسي بل إن رعونة صفوة على اعتبار أنها تمثل سلطة قيد التشكل، فلا تمتلك الخبرة الكافية للحفاظ على مصالحها، سوف تدفعها للتنكيل بأستاذها السابق سيسي، بل هي تقدم بعد تخرجها من الجامعة على الزواج به ليصير في قبضتها، فتستطيع الثأر.

لكن سيسي الذي يعمل صحفياً بعد طرده من الجامعة يدافع عن نفسه هذه المرة بما يتوفر له من قدرات اعتبارية يمثلها الإعلام، فيشهر بصفوة وبعائلتها على صفحات الجرائد ليتمكن من الطلاق والخلاص من مؤامراتها ضده.

بعد أن يخذله واقعه لمرتين متتاليتين مع صفوة، وبعد أن يرى الحياة الرغيدة تنتصر لها ولأفكارها، يتحول سيسي الكاتب نهائياً إلى فريقها الفاسد، ولكن بلا قدراتها المالية التي تمكنه من محاكاة الامبريالية في جني الأموال أو ربحها وفق خطط وموارد دائمة طالما أنه لا يملك أسساً صناعية وتجارية وعسكرية مثلها. وهو لذلك يحاول السيطرة على مصير مجتمعه والتحكم بمواطن الضعف فيه لابتزازه لاحقاً..

هذا المجتمع مهيأ، بدوره، للانهيار على ما يبدو، ليس لأنه يتعامل بأفكار براغماتية هشة، وإنما لأنه لا يملك مقومات المقاومة لأي إغواءٍ يمنحه مزيداً من المال والمتع التي يمكن تحصيلها به، ولاسيما إذا ما كان ذلك بلا جهد أو عناء. لذلك لا غرابة أن تشترك جميع الشخصيات الفاعلة في هذه الرواية بلعبة البرموسبور لأنها الأمل الوحيد في الحصول على المال حتى بالنسبة لسيسي الكاتب مهندس الرواية ومنفذ أحداثها.

يتكئ سيسي الكاتب في تنفيذ مشروعه على عباس صاحب المطبعة، وهو لكي لا يواجه بأية عوائق مادية أو فكرية يجعل من عباس شخصية عدمية لا أمل لها في الحياة سوى المال والمصالحة بين علاقته الغرامية بسلمى وعلاقته الزوجية بنفيسة، ليطمئن قلبه ويرتاح. لكن سيسي الكاتب ينذره فداء لمهمة أشمل تتمثل في التخلص من جميع القيم الفاضلة التي تحيط به، ليتفرغ تماماً لنشر روايته " بروموسبور" لإيديولوجية جديدة للسلطة المقبلة. لذلك هو يجعله على احتكاك مباشر مع الشيخ سعدون وما يمثله من تصالح مع الذات ومع الآخرين بما فيهم السلطة التي يمثلها سيسي الكاتب ذاته. إلا أن براغماتية سعدون الجامعة لأمور الدين بعمله كإمام جامع ولأمور الدنيا بعمله كبائع ألبسة مستعملة، فضلاًُ عن مقامرته على نتائج مباريات كرة القدم في لعبة البروموسبور إضافة إلى تجاوز القانون المدني في زواجه الثاني من الأرملة فائزة، ومن غير علم أم أولاده، وغيرها من أمور مهدت مجتمعة لنهايته، أو بالأحرى لفتح الباب على مصراعيه لرياح البشاعة التي شوهت علاقته الجنسية بفائزة لتصيبه بالعنانة، مما يضطره في النهاية لتقديم المال لسيسي الكاتب عله ينقذه من حالته المؤسفة.

لكن سيسي الكاتب بعد أن انتهى من سياسة الشيخ سعدون المناورة والقادرة بمكرها على تقبل أفكاره في الوقت الذي تحافظ فيه على هويتها؟، يندفع الآن للتخلص من شخصية نفيسة زوجة عباس. وبالفعل سرعان ما يتم له ما يريد حين يحاول عباس ان يقنع نفيسة بعلاقته الغرامية مع ابنة عمها سلمى لعلها تأتي وتعيش نعهم فالبيت يتسع لهم ولها، مما يودي بنفيسة إلى حالة من الهستيريا وربما الجنون. انهيار نفيسة بما تمثله من قيم أخلاقية تنتصر للمرأة وكرامتها من خلال طرحها لمفهوم الندية في العلاقات الغرامية بين الرجل والمرأة وعجز عباس عن تقبل ذلك، وعجزه عن السيطرة على نفيسة واخضاعها لنزواته الجنسية الذكورية، كل ذلك قوض الأسس ـ المخلخلة أصلاً للمجتمع الذي يحاول سيسي القضاء على شخصياته كلها بما فيها شخصيته ذاتها. أما لماذا؟ فلكي ينهي التاريخ النضالي للسلطة الوطنية التي يمثلها وما حاولت إنجازه من مؤسسات حضارية، معززاً فرضية الأقدار الخارجية في النظر إلى المستقبل المتمثل في لعبة البرموسبور التي وضع قواعدها التالية:

ـ عقد النية وإقامة الرجاء.

ـ شراء قصاصة بروموسبور.

ـ تعمير القصاصة كيفما اتفق.

ـ الحرص على تتبع نتائج المباريات الرياضية.

ـ عدم اليأس وتكرار العملية من جديد.

ألا يربح سيسي، كما شخصياته، في لعبة البروموسبور في روايته هذه، بسبب من تاريخه ولا سيما بسبب من صراعه مع صفوة حلمه الذي احتضنه في ختام الحكاية، فلأن هذا الاحتضان سوف يمثل القاعدة الأولى من اللعبة الجديدة طالما أن قاعدتها الخامسة تتيح المجال لتكرار المحاولة وعدم اليأس من نجاحها. سيسي، إذن، في روايته القادمة لن يقف عائقاً في طريق نجاح صفوة حتى لو كان هذا النجاح سيتم عن طريق الغش والرشوة، بل هو سيحاول أن ينال رضاها في كل ما تريده ليكون زواجهما متكافئاً على أساسٍ من الأخلاق الجديدة التي تجد في النصب والاحتيال شرطاً أساسياً للوصول في هذا العالم.

و بانتظار ذلك يمكن القول : إن رواية "برومو سبور " هي حكاية سلطة حاولت أن تصوغ مجتمعاً يتلاءم و الامبريالية المنتصرة ، و هي في سبيل ذلك استباحت كل شيء حتى تاريخها ذاته . فهي لا تبدأ بانتهاك حرمة العلاقات الحميمية و تعريتها من أي بعد إنساني _ في محاولة لترويج الخيانة ثم الابتزاز و الرشوة وصولاً إلى الدعارة و القتل الذي يحتاج إلى القوة و المهارة _ إلا لكي تروج لثقافة الجسد التي تمثلها صفوة و أزلامها كعلائق اجتماعية و التي تمثلها لعبة كرة القدم كتعبير فنّي لهذه العلائق . و ربما من طبيعة الأمور ألا يكون الاحتفاء بالجسد وثقافته في مثل هذا الأفق الفكري إلا محاولة لمسخ كينونته الإنسانية و تحويله إلى ما يشبه الحيوان إذا لم يكن إلى ما هو أقل شأناً منه .

تحويل الجمال إلى شكل مجرد ، لا معنى له سوى استهلاكه عن طريق المال و سبله ، هو ما تتجاوب معه رواية " برومو سبور "في طبيعة سردها و كيفيته . فهي حين تروي حكاية سلطة ، تعزز سلطتها باعتبارها روابة أفكار أكثر مما هي رواية وقائع ، و ربما هذا ما يجعل الروائي حسن بن عثمان يسلم مقاليد روايته للراوي سيسي الكاتب _ للتخلص من آثامه ! _ و هو بذلك لا يقلل شأن الراوي والرواية بقدر ما يمهد لانزياح جمالي عن القول التقليدي بتاريخية الحكي و حامله الإجتماعي ، فالتاريخ الذي تحمله الرواية هو تاريخ معطل أو منهزم ، و الذي يتقدم هو سلطة جاهزة لا تعترف بالتاريخ و لابوقائعه . و ربما هذا ما يعلي من شأن لعبة حسن بن عثمان و حكايته التي لا تقترب من لغز المتاهة إلا لأنه شرك الواقع ذاته .

هذا الشرك هو ما يحاول صياغته الروائي حسن بن عثمان مرة أخرى في روايته الثانية " شيخان " و لكن بعد أن تأكد لديه فشل الحداثة و تداعياتها التاريخية و لاسيما حلم التغيير و التقدم من مرحلة إلى أخرى بما يشي بوعي جدلي يستوضح هزيمته من خلال افتراضات رؤيته نفسها فالصراع الذي يفترضه هذا الجدل ينبغي أن ينتهي _ هكذا يقول الزعيم في هذه الرواية _ لأنه إذا ما وقع فهو لن ينتج حلولاً بقدر ما سينتج خراباً و عوائق لا خلاص منها ، لذلك لا بد من التفكر و التوعية و تقديم خبرات جديدة يمكن أن تنتج أقوالاً قادرة على فعل شيء ما طالما أن تغيير الواقع لا يمكن إلآ عن طريق تغيير قوله أو حكايته ، ليتحول التاريخ بذلك إلى تاريخ أفكار ، لا تاريخ مجتمع ، كما هي حاله في رواية حسن الأولى، بل كما هي حاله في جميع الحكايات القديمة التي فرضت سلطتها في جميع الآمكنة و الأزمنة.

سلطة الحكاية يستدعي سلطة شخصياتها ، و كأن تاريخ الشعوب المتخلفة لم يتعرف أبداً على الحرية أو على أي شكل من أشكالها أو على أي حكاية من حكاياتها ، و لهذا لا يبدو أنه قادر الآن على الاعتراف بها لأنه ببساطة يجهلها بل يجهل كيفية وجودها و اندثارها. لذلك حتى الأفكار في هذه الرواية هي أفكار سلطوية بألقاب شخصياتها و قد لا يعني تبنّيها سوى مزيد من الضياع و الخسارة ، ذلك أن الزعيم حين يحاول أن يغيّر الحكاية فهو يتوهم أنه يغير حكاية متحكمة بمصيره شخصياً بينما واقع الحال يقول : إن تسريب حكاية مثل علم اليدب إليه إنما لشغله عن حكايته الحقيقية التي تورط فيها حين زواجه من أزهار مطلقة المايسترو عبد الملك. فأزهار هذه هي من أوحت إلى الزعيم بأن علاقتهما الزوجية ستظل دائماًفي خطر طالما أن عبد الملك زوجها الأول يعتقد بحكاية علم اليدب بينما هي في الواقع لم تزل على علاقة بعبد الملك و إنما زواجها من الزعيم جاء لاستغلال مواهبه في صفقة سوف يعقدها عبد الملك مع التلفاز لإشهاره و فرض ملكيته على الأغنيات الفلكلورية مما يعزز سلطته على هذا النمط من الغناء ، و ليبقَ تمرد الزعيم على حاله فهو سيساعد على وصول عبد الملك إلى مبتغاه بأقل الخسائر الممكنة ما دام هذا التمرد يكتفي بوسئل سلمية كأن يغيّر طبيعة الصراع بين الشخصين المتحاربين في حكاية علم اليدب لينجو الجميع من قوة عبد الملك وبطشه . و بالفعل يستطيع الزعيم أن ينهي هذا الصراع سلمياً في نهاية الأمر ولكن بطريقة لايبدو فيها الزعيم قادراً على الانتصار للواقع أو لأقل للأفكار التي يمكن أن تنتصر للحقيقة و الصواب في معالجة الخلافات و الصراعات بين قوى المجتمع .

تتحدث حكاية علم اليدب عن شيخين يعيشان في قرية نائية ،أحدهما عجوز و الآخر شاب تخرج من جامع الزيتونة الشهير في العاصمة التونسية . هذا الشيخ بعد أن عاد إلى قريته ساءه أن ينطق الشيخ العجوز حرف الراء غيناً لأن ذلك يجعله يلفظ كلمة " ربّي " " غبّي" . فأخذ يحرض سكان القرية عليه مما اضطر الشيخ العجوز أن يدبر مؤامرة ضد هذا الشاب الذي استطاع الإفلات منها ليستنجد بمعلمه في جامع الزيتونة . يستمع هذا المعلم لقصة تلميذه النجيب ،و يقرر أن يعلمه قواعد علم اليدب التي تنص على الاحتيال و المؤامرة للتخلص من المنافس و العدو . ثم يحوك المعلم للشاب مكيدة بمكن من خلالها قتل الشيخ العجوز ، و مفادها أن يعتذر الشيخ الشاب من الشيخ العجوز على مرأى و مسمع من أهل القرية ، ليشيع بينهم أن الشيخ العجوز هو إنسان مبارك أو مبروك و عاهته دلالة على ذلك ، بل إن من يحظى بشعرة من لحيته سيدخل الجنة حتماً ، و هكذا يهجم أهل القرية على لحية هذا الشيخ العجوز ينتفوها حتى يقضوا عليه ، كما هو متوقع ، فيتسلم الشيخ الشاب كرسيه في جامع القرية .

أما الحل الذي يرتئيه الزعيم للمصالحة بين الشيخين فهو ، للأسف سوف يكرس المشكلة أو الخطأ الأول ، فأن يودي بحاسة السمع لدى الشيخ الشاب كيلا يسمع خطأ الشيخ العجوز في النطق إنما هو حل يستدعي مزيداً من الأخطاء و المشاكل : أولاً لأن فقدان حاسة السمع لدى الشيخ الشاب سوف يقوده إلى الخطأ في النطق و فهم الآخرين. و ثانياً ، وهذا هو الأهم ، لأن الزعيم بعد ما حصل معه سوف يستسلم لفشله وهزيمته و يكف عن التفكير في تغيير ما هو كائن أو إصلاح ما يمكن إصلاحه كما أراد عبد الملك بالضبط. ولذلك تنتهي الرواية باستعادة الزعيم لبصره إثر مشاجرة مع أحد أتباع عبد الملك ليكتشف خيانة أزهار له مع هذا الأخير باعترافها هي، ليستوضح أي شرك وقع فيه.

وبينما يقلّب الزعيم ما جرى له محاولاً أن يقنع نفسه بمشاركة عبد الملك بأزهار، تغادره أزهار لتستقل سيارة عبد الملك، فيبقى وحيداً، بلا زوجة، وبلا حكاية، وربما بلا عمل، فالموتى الذين كان يغسلهم قبل أن يدفنوا قد لا يستطيع أن يقارب أجسادهم وكذلك أقارب هؤلاء الموتى قد لا يتستطيعوا الاستعانة به، كما في السابق، ليداري فضائح موتاهم، وهذا كله إذا كان يعني شيئاً مهماً فهو يعني عطالة لمن يود أن يسمع ويرى ويفكر، أو بالأحرى إقصاء لمن يود أن يحاول أن يغير ما هو متفق على ترسيخه من تسطيح وسخف يمثلهما المايسترو عبد الملك. أما الأهم من كل ذلك فهو التساؤل الذي طرحه الروائي في خاتمة روايته ويمكن صياغته بشكل آخر كأن يكون السؤال عن الزعيم تحديداً الذي يستطيع أن يتجاوز كلتا الحكايتين، حكاية علم اليدب، وحكاية حسن بن عثمان لكي يصوغ حكايته هو، هذا إذا لم يستسلم حقاً ويرتضي بالهزيمة فيتخلى عن زعامته ويلتحق بعبد الملك وفرقته؟.

قراءة ثانية

تعدد القراءات شيء مسلم به، أو على الأقل متفق عليه بين المشتغلين في الأدب والفن. لكن غالباً ما يكتفي القارئ بقراءة واحدة يجدها تعبّر عن انشغاله أو عن محور اهتمامه فيما يقرؤه، فيما حصله من مخزون معرفي يفرض عليه أحياناً موقفاً ما، إيدولوجياً، سياسياً، جمالياً...الخ، دون ان يعني ذلك تهميشاً للعمل المقروء، وما يفترضه من قراءات كأن يكون محور العمل سياسياً، أو نفسياً، أو إجتماعياً، أو جمالياً، او عاطفياً، بل عادةً ما يرتاح القراء أو النقاد الجدد لقراءةٍ إجمالية تبرز محاور العمل الأساسية التي افترضها هذا العمل كما حاولت أن أفعل في قراءتي الأولى لروايتي حسن بن عثمان، لولا أنني وجدت نفسي مضطراً لإعادة قراءتها ثانيةً قبل إرسال ما كتبته للنشر بأيام وذلك لسبب أساسي هو أن قراءتي الأولى لم تظهر الجهد الجمالي الذي قام به الروائي حسن بشكل واضح طالما أنني مررت عليه مروراً عابراً ولا سيما فيما يخص هذا الانتقال من الرواية الحديثة بمعناها التقليدي إلى معناها الجديد مع انهيار الحداثة وأحلامها. وبالطبع لم يكن وارداً عندي أن أقوم بذلك ـ وأنا الكسول في كل ما أفعله ـ لولا أن رواتي " بروموسبور" و " شيخان" ألحتا عليّ في قول ما ينبغي قوله ثانيةً حول التحول البنيوي للرواية من مستواها التاريخي إلى مستواها المطلق بما يشكل ارتكاساً أو عودةً إلى أصلها الحكائي محتفظة بمنجزاتها الحداثوية بكل تأكيد. بل إن روائياً مثل حسن بن عثمان حين يؤرخ لانهيار الحداثة العربية قبل تشكلها إنما يفعل ذلك بأدواتها ذاتها، كأنما يرى من واجبه أن يؤكد هزيمتها ليستطيع بذلك أن يسوغ كتابته وكيفيتها. وهذا بالفعل ما حصل مع سيسي الكاتب بطل روايته الأولى "بروموسبور" فهزيمة سيسي تعني هزيمة جيل كان لديه الأمل في التغيير والتقدم، لكنه حين هزم لم يشأ الابتعاد عن ساحة الصراع، بل وجد نفسه ما زال يتمتع بسلطة التحكم فيه، ولكن بالانحياز إلى الفريق الأقوى، فريق التبعية للامبريالية لحظة انتصارها. انتصار الامبريالية يعني أن التاريخ قد توقف، وأن الحداثة اكتملت أو فشلت وهذا يؤدي بالضرورة إلى فشل الرواية بمفهومها التاريخي، بمفهومها البرجوازي، المديني.. إلى أن يتقلص دورها إلى مجرد حكاية. واللافت للانتباه أن هذا ما قام به سيسي الكاتب في رواية واحدة، فهو في الوقت الذي كان يؤرخ فيه لانهزام الحداثة في المجتمعات المتخلفة كان يصوغ القواعد الخمس لكيفية الكتابة القادمة، والتي هي في هذه الرواية حكاية البروموسبور إذ يمكن الآن أن نقرأ معاناة سيسي الكاتب في لعبة البروموسبور بغض النظر عن أي شيء آخر يتعلق بالمجتمع الذي ينتمي إليه بمستواه الحضاري، بتقدمه أو بتخلفه، بكونه مجتمع علماني أو ديني، باعتبار سلطته دكتاتورية أو ديمقراطية، كل هذا لم يعد مهماً في الحكاية، المهم هو هل ربح سيسي الجائزة أم لا؟ أما زال يزاولها أم لا؟ ما هي طبيعة هذه اللعبة؟ ما المتعة التي يمكن أن توفرها؟ غير أن الروائي حسن بن عثمان في روايته الثانية لم يلتزم بحكاية سيسي الكاتب وقواعدها. بل هو ابتعد عن سيسي هذا أو خفف من سلتطه بعد أن كان الحاكم المطلق بل الطاغية الذي يفعل بالرواية وشخصياتها ما يشاء. ومن الجلي أن هذا الابتعاد له ما يسوغه في الواقع السياسي الذي يعيشه الروائي ربما، وفي الواقع الرؤيوي الذي يتبناه، باعتبار أن رواية "شيخان" تحاول نقد أو كشف مغالطات العودة إلى الماضي لاستكمال الحاضر، أو محاولة لإيجاد الحلول من خلال قراءة الماضي واستعادته، وهذا ما بينت رواية "شيخان" فشله أيضاً، ليس على الصعيد السطحي بتبني حكايات شعبية وتصعيدها من خلال فتح آفاق جديدة لها كما يحاول السلفيون في إحياء الرؤى القديمة وحسب، وإنما على الصعيد النخبوي بالاعتراف بمحدودية فاعلية الحكاية في التغيير بما تمثله من شغل الروائي وانتمائه إلى الشرائح المثقفة، والجادة في تنوير الناس، وإيصال الحقيقة إليهم، وهذا ما انعكس على بناء الرواية ومراوحتها السابقة بين الرغبة بالانعتاق من شكلها القديم في تقويضها لمفهوم الرواية التاريخية ـ بمعنييها الزمني والجدلي ـ وذلك بفسح المجال أمام حكاية اعتبارية، حكاية مبنية على أفكار محددة قد تكون أخلاقية مثلاً، ولكنها قد لا تصغي إلى وقائع التاريخ وحركته التصاعدية.

هذه الأفكار المسبقة في هدم الرواية التقليدية هي جهد حسن بن عثمان في صوغ رواية جديدة. لكن التزامه بما أنتجته الحداثة من أحلام وأوهام في التقدم والتغيير، جعلته شديد الالتصاق بواقعه، بتاريخه الشخصي والحضاري، الشيء الذي وقف عائقاً أساسياً في تبنيه لمفهوم الحكاية مطلقاً، لينظر إلى الواقع التاريخي الذي نعيشه، إلى حاضره وماضيه، بمآسيه وهزائمه من غير أن يخرج بجكاية يمكن القول: إنها حكاية المستقبل!

الصفحة الرئيسيةشعرروايةقصةمسرحفن تشكيليلمراسلتنا