نديم الوزه - رواية

 

غادة السمان ، و التحرر من الحب و الحبيب ؟!

بقلم نديم الوزه

غادة السمان - حبحقاً ما هو الحب ؟ .. للأسف ، لا أرى أن الإجابة ممكنة على هذا السؤال ، لا بالمطلق و لا بالنسبي . ثمة وقائع ، علاقات ، أمكنة ، و أزمنة ، ربما يمكن تحديدها وفق ما أعيش، وأعايش ، أو أقرأ ، و بالنتيجة قد أتوصل إلى أشكال و أنواع من الحب : حب أبدي ، و حب آني ، أو حب أحادي ، و حب متعدد .. إلى آخره .

أما لماذا يحب هذا الرجل هذه المرأة ، أو تحب هذه المرأة هذا الرجل ؟ فهذا ما لا أتمكن من معرفته دائماً . أما البحث فيه ، أو فيما يعاكسه ، أو يناقضه ، أو يعيقه ، فهو أحد شواغلي المندفعة أساساً من اعتبار الحرية بتماهيها الوجودي لاعتبار الإنسان .

و على ما يبدو أن المعيقات التي تواجه الحب هي محور اهتمام الروايات العربية المعنية بذلك . و ربما يكون العامل الاجتماعي ، متمثلاً بالتقاليد و الأعراف ، أكثرها حضوراً لولا أن الروائيات يبحثن عن معيقات أخرى أكثر إشكالاً ، و تتمثل في شخص الحبيب بالذات باعتباره رجلاً شرقياً ، غيوراً ، محباً للتملك، إلى آخر سلسلة التسلط الذكوري التي يمكن شدها حول عنق المرأة المحبة ، أو الراغبة بالزواج و حسب .

و مع كثرة اعتراضاتي الآتية على ما كتبته الأديبة السورية غادة السمان إلا أنها قد تكون من أعمق الروائيات العرب و أسبقهن إلى معالجة هذه القضايا بمنظور تحرري يكاد يشي بأن هذه الروائية ، أو الأفكار التي كتبتها، تفترض دائماً ما هو أهم من الحب،أو بالأحرى من الحبيب ، في العلاقات القائمة بين الرجل و المرأة . و دائماً حجتها في ذلك هي استقلالية المرأة ، وحقها في العمل و النشاط الاجتماعي، بما يعادل الرجل تماماً . و على هذا الأساس من الرؤى الحديثة تحاول غادة أن تتجاوز زمنها المتخلف لتبحث عن " زمن الحب الآخر " عنوان كتابها القصصي الذي اعتمدته لكتابة ما أكتبه الآن .

الآن ، و بعد أكثر من نصف قرن على كتابة غادة السمان ، من المفجع حقاً أن تبقى قراءتها ضرورية في مجتمع يعيش انتكاساته المتتالية و على كافة الأصعدة ، علماً أنه ليس لدى غادة ما تبحث عنه من أجل الحب ، لا في الواقع الحقيقي و لا في واقع الكتابة ، سوى هذه العناوين الحالمة أو الكاذبة . و لذلك ، و تحت عنوان كهذا " الحياة بدأت للتو " سوف تدفع بطلتها عيوش مثلاً للمعاتاة من هوى أحمد لها فيما يقوم به من غيرة وشك و إسقاط لأمراض ذاته الذكورية و لسلوك هذه الذات الغادر عليها ، ولا سيما حين يحاول أن يمنعها عن العمل أو النشاط الاجتماعي بمختلف أشكاله ، و هذا سوف يفقد علاقة الحب بينهما بعدها الإنساني الحر، و يدفع زوجته عيوش للانفصال عنه كممارسة لأحد حقوقها الطبيعية ، أكان بسبب الشك و الغيرة أو بسبب التخلص من سلطة الهوى أو غيره .

لكن في المتابعة لبحثها المفترض عن زمن آخر للحب سوف أتفاجأ بتبني عيوش لهذا الدور العاهر للرجل حين تبادر إلى اصطياد الذكور مقابل ثمن و لو كان رمزياً و هو ليرة واحدة ، بما يفقد فكرة الكاتبة مصداقيتها ، فتتحول إلى نوع من التحرر أو الوعي الزائف .. عير أن اللافت للانتباه في هذه القصة أن غادة السمان من الذكاء الإبداعي بما يكفي لتعاين هذه الفكرة من جديد ، فتسقط حالة عيوش على صديقتها كريستين التي تعيش علاقات جنسية متعددة في ظل زوجها شارل و على مرأى منه . و لأن هذا الزوج متحضر لا يفعل شيئاً إلى حين اصطياده ذئبة فيضعها في قفص ذهبي ليغيظ زوجته كريستين ، بل ليدفعها إلى التأزم و الانتحار قبل أن تستطيع عيوش إنقاذ الذئبة بتحريرها من القفص كمعادل رمزي بين كريستين و الذئبة ، الشيء الذي يعيد فكرة غادة إلى مسارها ، و لكن مع اختلاف أساس أن عيوش تبيع جسدها بينما كريستين تقيم علاقاتها المتعددة من غير أي مقابل سوقي .

قد يكون بيع الجسد فكرة قديمة ، عالجها ماركس و آخرون ، كل على طريقته ، لكن توصيف العلاقات المتعوية المحضة بالحيوانية من قبل غادة السمان مسألة لاتزال قابلة للحوار و لا سيما إذا ما كانت بإرادة حرة من طرفي العلاقة بما ينفي أي خداع أو خيانة و هذا ما فعلته كريستين ، و ربما هي انتحرت لسبب آخر يتمثل في عدم مقدرتها على الانفصال عن زوجها كما فعلت عيوش ، أما لماذا ؟ فمن المؤكد أن غياب الإجابة هو ما أضعف هذه القصة ، وجعهلها على هذا النحو من التسرع و السذاجة .. ليس لأن موت كريستين يعني فيما يعنيه أن على المرأة الانفصال عن زوجها طالما أنها لا تحبه أو لاتعيش بحرية معه ، لأنها إذا لم تفعل سوف تواجه الموت أو ما يشبهه و إنما لأن مصير عيوش لا يتحدد بالمعنى الايروسي أو العاطفي بقدر ما يتخذ منحى اجتماعياً هو رضاها التام بالتخلي عن فكرة الحب لصالح تحررها في المجالات الإنسانية الأخرى . و هذا ما تفعله خديجة في قصة " الديك " و هذا ما تفعله النساء الأخريات في القصص الباقية . و بالطبع قد لا يعارض المرء مثل هذا الخيار – على الأقل مؤقتاً – لولا أنه في حالة غادة السمان يتخذ بعداً مرضياً ، يجعل من شخصياتها أناساً معطوبين نفسياً ، لا قدرة لديهم على معاودة الحياة والحب من جديد، حتى حين يتم اللقاء بمن كان البحث عنه جارياً و يمتلك هذا المقدار من التفهم و التحرر .. إذ ، و على الرغم من أن المرأة الراوية في قصة " ليل الغرباء " تجد في الرجل المقابل مرآة لها في الأفكار و التطلعات الإنسانية ، إلا أن كلاهما في النهاية يجد في الكتابة ملاذاً مخدراً يعفي من الحب و مشكلاته التي عانيا منها في علاقتيهما السابقتين . و كأنما الحب يمكن أن يكون لمرة واحدة أو لا يكون ! و هذه الفكرة لا تنقض مفهوم الحب باعتباره وعياً تحررياً فقط بل هي تدخله في خانة الحظ و النصيب كذلك.

الصفحة الرئيسيةشعرروايةقصةمسرحفن تشكيليلمراسلتنا