نديم الوزه - فن تشكيلي

 

لماذا أعجبني فان كوخ؟

بقلم نديم الوزه

فان كوخقد لا أستطيع أن أوضح تماماً كيفية تبدل شعوري تجاه الأعمال الواقعية الكلاسيكية من الإعجاب و ربما الانبهار بالمقدرة الفائقة على النقل الحرفي للطبيعة والوجوه والأشياء أيام صباي إلى شيء يمكن توصيفه الآن بالفظاظة حتى في تلك الأعمال التي ترسم شخوصاً حلوة و أنثوية و بأجنحة . و لكيلا يبقى هذا الشعور، أو بالأحرى القول به مرتجلاُ و بلا مسوغ معرفي،قد أرده إلى تطور بالوعي لم يعد ينظر إلى العمل الفني على أنه موهبة في المهارة أو مقدرة باستحواذ تقنية مكتسبة بقدر ما هو قول معرفي لغته اللون والخط و ما ينتج عنهما من أشكال طبعاً.

و ربما يكون التذكير بإنشتاين مناسباً هنا على اعتبار أن العمل الكلاسيكي يسعى إلى الكمال بينما هذا المفكر الأوربي يوضح أن الأشياء على هذه الأرض و لاسيما ما يتعلق منها بالقدرات العقلية هي خاضعة لما هو ناقص دائماً . و هذا بالتأكيد لا ينفي فكرة الكمال و لكن الآخذين بهذه الفكرة هم دائماً يؤكدون على وجود عالم آخر هو عالم المثل الأفلاطونية كما هو معلوم، وقد الشعور بهذه الفظاظة اعترافاً مني بعالم آخر من الكمال غير معروف من قبلي و أنا لا أريد صورة عنه بقدر ما أريده هو ، ولكن هذه الإرادة وحدها ليست كافية للنظر إلى الأمور كما هي في ذاتها ، الشيء الذي يفترضه النقد أو الرأي النزيه على الأقل.. و لذلك قد يكون القول بما قال به إنشتاين أكثر تسويغاً لما أشعر به . و لكن باستبدال مفهوم النسبية بمفهوم آخر و هو " النقص " و كيلا يظن أحد أنني أضع نفسي بوضع أنشتاين ، و مادام مزمار الحي لا يطرب ، أحيل إلى عبارة للشاعر الفرنسي ايف بونفوا يقول فيها :"الذروة هي النقص" و هو يقصد أن الأمر كذلك في هذا العالم .. و على فكرة لهذا الشاعر قصيدة بعنوان "ضد أفلاطون" بينما تراودني عبارة أرددها كثيراً بيني و بين نفسي و هي"ليست ضد أفلاطون"ربما لأن هذا الفيلسوف كان يفكر بعقله المحض أكثر مما كان يفكر بكيانه كله ، و ربما بونفوا يشبهه في ذلك .

فان كوخو على هذا لا يبدو أن قراءة العمل الفني شيء اعتباطي أو يخضع للهوى الذاتي و إنما هناك معايير يهمني أنا منها ما يتعلق بالأفكار و خاصة أنني كنت أفكر أو أتساءل لماذا يعجبني فنان مثل فان كوخ مع أن أعماله هي واقعية ،أقصد أنه هو الآخر ينقل الواقع كما هو فيرسم قمحاً و عباد شمس و أحذية و وجوهاً و بيوتاً ..إلى آخره ، و لا يقوم بأية عملية انزياح فيما بينها ؟ و ربما أستطيع أن أجيب الآن بأن فان كوخ ، وعلى الرغم من أنه كان واقعياً بشكل واضح ، لكنه لم يكن كلاسيكياً . بمعنى آخر إن فكرة الكمال لم تكن تستحوذ عليه و إلا لما اتجه إلى موضوعات متواضعة مثل التي ذكرت ، و ربما هذه الموضوعات هي ما جعلته فناناً بائساً لم يعتد به في عصره بل انتظرت أعماله كثيراً قبل أن يعترف بها لتباع بملايين الدولارات . لكن الفكرة التي أود قولها هي أن شعوراً و هو العنف كان يوقظ عينيّ و أنا أنظر إلى صور عن أعماله و يجعلني أود لو أقتحمها لولا أن هذا لا يستمر طويلاً. و ربما من الجدير ذكره أن كاتبة أو مفكرة فرنسية لا أذكر اسمها جعلت من الفظاظة سمة سلبية من سمات الإنسان المستبد و المعتدي بينما رأت في العنف شيئاً جميلاً يتسم به الإنسان الإيجابي المتمرد دائم التطلع إلى حريته و العمل من أجلها، وربما هذا يوضح انعكاس شخصية فان كوخ على أعماه في رفضه للوسط الفني الذي كان سائداً في زمنه من جهة و في بحثه عن مدى جميل بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى لا يجد غير لوحاته الريفية مجالاً له من جهة أخرى.

هذا العنف المتجلي في كثافة اللون و إضاءته و حدّة الخطوط و تمايزها في علاقة تبادلية تمنح اللوحة قوتها التعبيرية هو شيء ذاتي، أقصد من ذاتية الفنان، و لا يخضع لمعيارية كلاسيكية موضوعاتية هندسية أو مثالية. و ربما هي الإضافة الوحيدة التي قدمها فنان مثل فان كوخ ، وهي إضافة قد لا تعجب متلقي الحداثة أو ما بعدها باعتبار أنها جاءت نتيجة لوهم البطولة الذي عاشه فان كوخ مع أنها بطولة إبداعية أيْ غير مؤدلجة فكرياً ربما ..!
الصفحة الرئيسيةشعرروايةقصةمسرحفن تشكيليلمراسلتنا