سبهان آدم: كشوفات مبكرة لاحتمالات لا حدود لها

بقلم نديم الوزه
قد يكون سبهان آدم على هذا النحو من الوجود العابر لما هو أبدي بما يشكل استثناء لما يعيه الفنان ويحاول تأبيده بشكل لا واع طالما أن المحصلة التي نعيشها قد تشي بما هو مخادع حتى لسعادة مفترضة. هذا الكلام قد يجعلني أتفهم قلق سبهان وتذمره حين حدثني عن متعة الفنان بما ينتجه، وخاصة أنه شرح لي مطولاً تعبه ومكابدته فيما يعمل، و ما آسف له أنني لم أجد ما يجعلني أقول له: ربما تكون هذه المتعة بالنتيجة، فما يرسمه سبهان متطلب ويحتاج إلى متابعة بقدر ما يبذله الفنان من تضحية قد لا يعرف مكنونها طالما هو قادر على السعي والوصول إلى أصقاع قد لا يحاولها من هم أعتى عمراً وتجربة ولكن بمعيار النوعية على أية حال. ذلك أن هذا الفنان، وعلى الرغم من أنه لم يتجاوز عقده الثالث استطاع أن يعزز مقولة في الفن التشكيلي السوري قلما تطرق لها أحد أو حتى حاول أن يحرض علها، وهي بالمحصلة قد لا يكون متوافرة إلا استثناء. هذا الاستثناء الذي بشر به أنطون مقدسي أدبياً منذ رؤيته المعرض الأول لسبهان والذي كان يدعو للريبة من قبل مقدسي هاهو يفرض ثقله ولكن فنياً هذه المرة.
وإن كان سبهان غريباً فعلاً عن المشهد حتى أنني أستطيع القول إنني أكثر حرجاً في مقاربة عمله بعيداً عن أية محاولة للتورية في مشهد هش لا يتحمل اسماً لم يزل في بدايته، وربما هذا ما يجعل مقولة مثل الكشف بحاجة لحشد كبير من الانتصارات ولكن ليس على من هم مهزومون أصلاً. إن حلم سبهان آدم بالعالمية ليس أكثر من تخطي للحدود الجغرافية، وهذا بحد ذاته قد يبدو وهماً أكثر مما هو طموح لولا أن سبهان أقام معارض خارج سورية هي أضعاف ما أقامه داخلها، وجواز سفره الوحيد هو أعماله ذاتها، فهو لم يدرس في أوربا أو حتى هنا وليس عضواً في نقابة الفنون الجميلة ولم تتبنه أية مؤسسة رسمية، بما يدعو للتساؤل حقاً؟
ولكن ما أود الإجابة عنه هو أن مقولة الكشف التي يتطلبها عمله هي من أكثر المقولات أصالة لدى فنان استطاع فعلاً، ومن غير دراية ربما، أن يوصل تجربته إلى احتمالات لا متناهية، يستعيرها منه أكثر من فنان وفي أكثر من معرض، إن كان من حيث الرؤية أو من حيث التقنيات التي يحاول اكتشافها لوحة بعد لوحة، ولوحات سبهان المحروقة أو المسروقة تتجاوز المئات...
هذه الرؤية المتجلية فيما هو سفلي بالمعنى الأسطوري،وبما هو شرير و بشع بالمعاينة سوف توحي ببراءة مباشرة في الحوار لما هو كائن و ينبغي فضحه، بمعنى آخر إن مسوغات سبهان وهجاءه لا يتعديان المحاولة للاطلاع على ما هو غير مرئي فيما هو واضح الدلالة غالباً. و مع ذلك هو بحاجة إلى كل هذا البذل ليمكن تصديقه أو القبول به،ذلك أن ثيمة البورتريه هي من التكرار بحيث يصعب اكتناه إضافاتها- وهي ثيمة سورية تاريخياً باعتبار الأيقونة، وفنانين معاصرين أيضاً – ثم أن هذه الوحشية قد تبدو كتفاصيل في تجارب عالمية عديدة، الشيء الذي يجعل القول أكثر التباساً، لولا أن بدائية، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من دلالات حتى الاصطلاحية منها، ستقلب المعادلة وتجعل من عمل سبهان كأنه مخلوق تواً. ولا أدري إذا ما كان سبهان سعيداً بما يفعله، لكنه على ما يبدو وحتى الآن لا يستطيع أن يفعل شيئاً آخر سوى هذه الكائنات المفزعة والتي تدعو للشفقة في آن.
إن كائناته هي على هذه الحدة من التطرف حتى تكاد لا تعترف بأبوة لها، وهي بذلك تعزز مقولة الابتكار دون أن تطالها بعد، وربما هذا ما جعل أعماله بحاجة إلى مغامرة معاكسة في التلقي، توازي براءة سبهان ومقدرتها على المشاركة في قول ما لا يمكن قوله. هذا القول ينبغي أن يتمكن أيضاً من رؤيته الجمالية للأشياء بما يحقق انسجاماً ذاتياً للوحة، ومن غير أية مرجعيات واقعية طالما أن إحساساً ينبغي أن يدرك بما هو كائن ومرئي وقد لا يكون غير واقع اللوحة ذاتها.
نشر 19/11/2002