خزيمة علواني وانكسار الحلم

بقلم نديم الوزه
أول ما يتبدى لي الآن أن استعيد لمرة أرجو أنها لم تصر مملة الحديث عن مفهوم الريادة على اعتبار أن فناناً بعمر خزيمة علواني وتجربته قد يفترض ذلك لولا أن مكر الكتابة أحياناً له افتراضات أخرى كهذه الفكرة التي تراودني وراودتني دائماً حول فشل الإبداع العربي بالتأسيس لريادة أصيلة قد يكون البرهان النقدي عليها مرتبكاً أو غير صالح في معالجة الفنون اللغوية مثلاً، ربما لخصوصية اللغة القومية الخاضعة للنقل والتأثر من جهة وربما للإرث الإبداعي في حالة اللغة العربية من جهة أخرى . إلا أن انتقال التفكير إلى مجال آخر هو أكثر عمومية في مجال التواصل يتيح مقدرة أكبر على خلخلة المقولات الجاهزة وغير الدقيقة في توصيف معظم ما أنتجه التشكيليون العرب فالادعاء هنا لا يلبث أن يتكشف ليس لأن التراث العربي فقير في منجزاته البصرية وإنما لأن فعل الريادة يفترض مغامرة في اللغة التشكيلية ومن البديهي أن لا يكون تقليدها معتبراً في هذا الفعل ذاته. ما أريد الوصول إليه هو أن لغة الفن التشكيلي و بإحماع يصعب نقضه – لأنه ببساطة صحيح – هي لغة كونية بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى يجعلها أكثر خطورة من العمل الجمعي من جميع اللغات الكلامية للفنون المكتوبة، بما يريح بعض الناس أن تكون اقل تواصلاً وليس لكونها لغة غامضة أو مكلفة، ولكن ما ينبغي قوله فعلاً هو أن كونية اللغة التشكيلية سوف يجعل من النادر اعتبار فعل الريادة فعلاً محلياً طالما أن الموضوعات وحتى البيئة هي تحصيل حاصل لأي عمل إبداعي كلامي أو لوني...
بالتأكيد من الإجحاف اعتبار الكلام السابق مناسباً لعمل خزيمة علواني تماماً، غير أن عمله، لتنوعه، يفترض أكثر من مناسبة للحديث يبدو أن أولها هذه الصعوبة في تلمس إضافات ما، أقصد أمام هذا الكم الهائل من الغنى والتنوع في المنجز العالمي. بل إن الفنان خزيمة لا يخفي سروره بنسخ عمل بيكاسو(غيرنيكا) مرات عديدة لتعرض وتقتنى في أكثر من بلد، لكن هذا الاعتراف المباشر بالتقليد والتبعية قد يؤخد من منحى أكثر طيبة وتواضعاً وخاصة أن شغل خزيمة الأساس هو الديكور وتنويعاته، أيضاً يمكن التذكير باختيار إعلانه (أفيش) كنموذج في معرض تاريخ فن الإعلان السياسي الذي أقيم في مركز جورج بومبيدو في باريس، للتدليل على مستوى التقنيات وأدائها في قراءة لوحاته التشكيلية.
إن هذا التعريف المبسط في انشغال خزيمة هو مدخل أجده صحيحاً أيضا لشيئين معاً :
الأول: معرفة الدوافع التكوينية لأشكاله ، والثاني هو اندفاعه السياسي، وهذا قد يكون واضحاً وجلياً في أعمال سنواته الماضية، واللوحات المجموعة في كتابه (الخيل والليل) شاهد قوي عليه، كذلك يفيد هذا الشاهد الذي اعتبره خزيمة كتاباً أولاً قد تتبعه كتب أخرى، في الدلالة على هذا النزوع نحو التأصيل الممكن لتشكيل عربي.
لكن بينما اشتغل فاتح المدرس مثلاً على معالجة ألوان البيئة وتعبيراتها رحل خزيمة بجديده إلى الماضي محاولاً قدر إمكانه إيقاظ فروسية المتنبي وخيوله عبر أدوات و أسطحة يمكن اعتبارها، ومهما كانت المادة اللونية المستخدمة في تشكيلها ، أسطحة ورقية، ذلك أن هذه الرحلة، وكما هي طبيعة المرحلة التي أنتجت فيها، لا ترى في الاستنهاض القومي إلا استعادة لأوراق قديمة ليس المتنبي إلا إحدى فكاهاتها الدونكشوتية، يؤكد ذلك أو يفضي إليه لعبة خزيمة الفنية ذاتها.
صحيح أن لعبة خزيمة علواني الفنية تقوم على الجمع والمزج بين فن الإعلان والرسم الكلاسيكي بطريقة طريفة يحاول من خلالها أن يؤكد على انزياح إبداعي ما، هو تحقق فعلاً بسبيل من السبل ، لكنها و لأنها كذلك، لم تخرج، في الحقيقة، عن كونها مقاربة لونية محضة للملصق الإعلاني حيناً أو للكولاج، وإن لم تستخدم مواده في حين آخر.
هذا العمل على طرافته، أو جدته، اصطدم برؤية حضارية متخلفة لم ترق إلى مستوى الجهد المبذول و ناتجه البصري مما جعل العين تضطرب بين مساحات اللون وحدوده أو خطوطه وبين الفكرة المسيطرة على ذهن خزيمة كتأويل أدبي عامة.
بعبارة أخرى إن حداثة التشكيل في لوحاته وانتمائها إلى فضاء دعائي هش قد لا يتناسب مع فكر يبحث عن البطولة والفروسية بتجسيماتها الصلبة وألوانها الحادة، الشيء الذي جعل الشكل غالباً ما يسخر من مضمونه.
لكن هذه السخرية التي سوف تصل في النهاية المرسومة لها في معرض "عشتار" إلى دفن الخيل الذي يعرفه لتبقى شهرة الفنان هي الأجدى قد لا تكون مدعاة للحيرة بالقدر نفسه الذي تفعله دلالات أخرى إذ أن دفن الخيل كدلالة على تجاوز مرحلة في الرؤى لم يستنهض عزيمة خزيمة بقدر ما أحبطها إبداعياً، ليس لأن نزوعاً سليماً- يحسب له- أخذ يتبدى بين لوحة وأخرى وإنما لأن الاعتناء برسم الزهور أو الأشباح الشريرة وعلى هذا النحو التقليدي ليس سوى إعلانا عن شيخوخة أظنها مبكرة قياساً إلى حيوية الرجل وذهنه النقدي بطبيعته.
نشر في 4/6/2004