فاتح المدرس والجدل الناقص
بقلم نديم الوزه
ربما يكون اللون لدى فاتح المدرس جاذباً أساساً قد لا نجده عند أي رسام آخر من جيله، وربما هو مصادفة من طبيعة تكوين الرسام الذاتية ،وربما هي مصادفة أيضاً أن يأتي هذا اللون امتداداً لروحه التواقة إلى السلم – الذي هو تعبير حقيقي عن الطفولة.. هذه الجاذبية البسيطة في حدودها، أو في بعدها الأحادي، سوف تفضي إلى فكرة بسيطة بدورها هي الاحتفاء،بالحزن والفرح، والإنسان والأشياء... لكن لو اكتفى فاتح المدرس برسوماته المتقنة في مطابقتها للواقع، للوجوه، والمنازل ، والتضاريس.. إلى أخره،هل كان سيحقق هذا الحضور المتنازع عليه؟ المشكلة ،أو الإشكالية، المبكرة بدورها هي أيضاً ، أن فاتح المدرس في خوضه تجربة انزياحية، على هذا الأساس من الاكتشاف البدهي لإمكانية التشكيل اللوني على وجه الخصوص ، بقي أمينا لهذه التوصيفات المعتادة في أي كلام عنه، حتى الآن، مثل القروية والعفوية والبساطة وربما البراءة وما إلى ذلك. وهذا وحده ربما كان كافياً لاضطراب في القراءة لأية عين حديثة لا ترى في الشكل إلا دلالة إلى معناه إذا لم يكن هو المعنى ذاته.
إن سلبية القول لدى فاتح المدرس قد لا تكون مترائية لمن يحمل هذا التوافق في الرؤى المغيبة لسلبية الواقع والانسجام معه، بما يعيق أية رغبة في التغيير ولو على صعيد الشكل. لكن الرسام يقول : إن لوحاته تتهم.. وهذا قد يكون حقيقياً ولذلك هو مهم بل هو خطاب لا بد منه لمن لا يطلب من المبدع أن يقول كل شيء أو لا يدعي ذلك بما يفوق الطاقة أحياناً.
لكن هذا الكلام لكي يكون مفيداً أكثر ينبغي أن يفضي إلى نتيجتين:

الأولى تتعلق بطبيعة الرؤى التي يضيئها وهي طبيعة قروية، ترى الأشياء كما هي، أما الثانية فهي مناقضة تماماً كونها تنتهك الأولى بانزياح قد يختلف على صلاحيته أو حقوقيته.
هذا التناقض الظاهري اعتبره بعض النقاد جدلاً، وهو كذلك فعلاً، لولا أنه من الضروري الاعتراف أن جدلاً كهذا قد لا يغفل محموله الحضاري المتمثل في شرقية مجتمع زراعي مستبد إلا أنه قد يتركه عرضة للسياحة لا أكثر.
لا أنكر أن للفن بعداً سياحياً ولكن اعتبار القول يفترض ألا ترى الأشياء إلا على حقيقتها وإن كانت مجردة، لذلك قد لا يكون فاتح المدرس رؤيوياً كبيراً شأنه في ذلك شأن جميع رواد الحداثة العرب غير أنه أنتج عملاً رائداً في انزياح شخوصه وقوة لونه، عملاً سوف يبقى ، وربما يمتد ويتسع في رسومات أكثر من فنان.
نشر 26/5/2002