أسعد عرابي: أفكار قديمة لرسومات حديثة

بقلم نديم الوزه
قد يكون من المربك حقاً استحواذ هذا القدر من الارتجال للقول:"إن هذه اللوحة تنطق" للتدليل على أهمية ما سوف تبقى بلا معنى ما دام الانتظار لمزيد من الكلام شيء يحدث ولا يزال، إلا أن هذا القول وأهميته قد يكفيان على عموميتهما لما ينبغي فهمه ولاسيما أن التجاوز الدائري لحراك الرؤى الفنية في الإبداع السوري سمة لا يحسد عليها قارئو الخطوط والألوان، لولا توفر بعض الأسماء هي كافية مبدئياً للاطمئنان أن ثمة إمكانية دائمة للخروج والاختراق.
ما أريد قوله أن الرسام أسعد عرابي ربما لا يحتاج إلى مزيد من النطق أو الإفصاح لمعرفة رؤيته الواضحة بانتمائها الفوري لما يمكن اعتباره استعادة أكثر جدوى لمنجزات الحداثة الغربية في القرن العشرين مما لو حصرت القول في حدود جغرافية غير بارزة إلا في إطار الافتراض المباشر حتى ولو أراد عرابي إن يشرقن عمله بموضوعاتية سافرة في عناوينها الأسطورية مرة والأدبية مرة أخرى، مفوّتاً على الملتقي الحديث ذاكرته المنسرحة خارج الأمكنة والأزمنة طالما الانشغال هو أسطوري إلى هذا المدى.
من هنا لا يمكن التركيز على هذا الحراك من النقل إلى الخلق الذي أشرت إليه بداية مادام الرسام ذاته يصدمنا بعنوان هو متداول هذه الأيام وربما في جمعيات الرفق واقصد به" كليلة ودمنة" إضافة إلى عناوين مختلفة قد آتي إلى ذكرها.
وطبعاً كل هذا لم يكن مقصوداً لكي يبقينا داخل الشرنقة الكلاسيكية للأساطير أو على الأقل للتفكير بها، ذلك أن الوعي الكامن وراء كل هذه الرسومات مشهود له، والأهم من ذلك أن هذه الرسومات ذاتها تبدي تفوقاً عفوياً ملحوظاً على سياق من الرتابة والتحفظ في التأويل والدلالة، شيء مشابه لما تشهده الحركة الفنية الخليجية مثلاً من تطور في التقانة لا يلبث أن يتشرذم في مساحات المحظور وربما الطريف وربما المحاولة اللاهثة للابتكار الشكلاني لما لا يمكن ابتكاره على هذا النحو أصلاً.
لكن ربما من الأفضل لو تذكر المرء رساماً مثل "غويا" أو آخر " ماكس تشغل" للدخول في عوالم أكثر اقتراباً توضح أن تقاطعات الأجناس الفنية والأدبية ومهما كانت تواشجاتها لا بد أن تستعيد سياقها الطبيعي على الرغم من الاشتراك في الدلالات وحتى الرؤى، فإن كانت مقولة مثل" أنسنة الحيوان"أو مقولة معاكسة مثل :" حيونة الإنسان" هي مغرقة في القدم ولأقل أن امتدادها قد يصل إلى تلك الأشكال والخطوط التي لم تزل تحتفظ بها جدران الكهوف فإن مسوخات غويا واستيهامات" تشغل" ليست سوى إحدى تجليات هذه المقولة أيضاً مع فارق اساس هو فارق في الوعي الحضاري بكل تأكيد.

من الواضح لي الآن ووفقاً، لهذه الرؤية الحضارية، أن اسعد عرابي لا يبدو معنياً بكشف حداثي لكينونته الإنسانية حقيقة إن كان فيما يعيشه أو حتى فيما يراه. فهو بذلك لا يرقى فكرياً إلى انشغال غويا واستنطاقه للهواجس والأخيلة بما تحمله من كشف كبير لمرحلة تاريخية في تفكير البشرية بل هو يبدو بعيداً أيضاً عن الكشوفات النفسية التي يقدمها "تشغل"أو"شاغال" كنوع من المفارقات في الأقنعة التي قد نجدها في شريحة اجتماعية مناقضة تماماً لتلك التي قدمها غويا.
إن أسعد عرابي وبأفكاره التعليمية الساذجة كتلك التي يدرسها طلاب المدارس في كتاب كليلة ودمنة يحاول أن يستدرج المتلقي أو يريحه ربما بمجموعة من الرموز المتداولة في الوعي الجمعي كتلك التي تظهر الحمامة مكان القلب، أو تلك التي تجسد جموح الأحصنة، إلى جانب كهرباء القطط، ولعب القط والفأر والثعلب برمزه المشهور، بما يفقد اللوحة أية متعة رؤيوية يمكن أن تجادل بين الشكل ومحموله على افتراض أن عملاً يتوخى الحداثة أو ما بعدها هو مغامرة شكلية قبل أي شيء.
غير أن هذا كله ينبغي ألا يغفل حقيقة بارزة، هي جدوى هذا الكلام السوري هذه المرة، إذ لا يخفى على المطلع أن عرابي- وعلى الرغم من تواضع أفكاره التي أعاقت بشكل من الأشكال جموح اندفاعاته التخيلية أو حتى الحسية بمعناها المتعوي الذي تقدمه الممارسة الفنية لمبدعها – استطاع أن ينفرد عن كل التقاليد التشكيلية في خلق المساحات اللونية وعلاقتها التعبيرية بالخطوط بما يعد العين بما هو أبعد غوراً، فقط بالإصغاء قليلاً إلى الأعماق بجرأة ربما تجعل من هذا الجدل الفريد بين المجرد و المشخص أكثر قدرة على الكشف والتحرر من كل ما يحجم الروح ،ومثلها.
نشر 24/4/2002